وجوبها عقلي لا تتوقف على أمر الشارع . وهو المطلوب .
بل ثبوت الشرائع من أصلها يتوقف على التحسين والتقبيح العقليين ، ولو كان ثبوتها من طريق شرعي لاستحال ثبوتها ، لأنا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعي فيتسلسل إلى غير النهاية ( 1 ) .
والنتيجة : أن ثبوت الحسن والقبح شرعا يتوقف على ثبوتهما عقلا .
المبحث الثاني إدراك العقل للحسن والقبح ( 2 )
بعد ما تقدم من ثبوت الحسن والقبح العقليين في الأفعال ، فقد نسب بعضهم إلى جماعة الأخباريين - على ما يظهر من كلمات بعضهم - إنكار أن يكون للعقل حق إدراك ذلك الحسن والقبح . فلا يثبت شيء من الحسن والقبح الواقعيين بإدراك العقل .
والشيء الثابت قطعا عنهم على الإجمال : القول بعدم جواز الاعتماد على شيء من الإدراكات العقلية في إثبات الأحكام الشرعية . وقد فسر هذا القول بأحد وجوه ثلاثة ( 3 ) حسب اختلاف عبارات الباحثين منهم :
1 - إنكار إدراك العقل للحسن والقبح الواقعيين . وهذه هي مسألتنا التي عقدنا لها هذا المبحث الثّاني .
شرح
( 1 ) كما في ثبوت إطاعة الرّسالة الخاتمة الذي جاء بها الرسول « صلى الله عليه وآله » ، فإنّها تتوقف على حكم العقل ، وإلا للزم التسلسل أو الدور ، وحاصل هذين المحذورين هما : أنّه لو قال الرسول « صلى الله عليه وآله » أطيعوني فإننا سنقول له : ما هو الدليل على إطاعتك ؟ سيقول « صلى الله عليه وآله » : عن طريق شرعي ، فننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعي قائلين : ما هو الدليل على إطاعة هذا الطريق الشرعي ، فلا بدّ من أمر وهكذا . . . سوف يلزم التسلسل . أو يلزم الدور فيما إذا قلنا أن إطاعة أوامر الرسول « صلى الله عليه وآله » متوقفة على أمر الشارع ، ووجوب إطاعة الشارع متوقفة على إطاعة الرسول « صلى الله عليه وآله » ، فتوقف الشيء على نفسه .
( 2 ) هذه المسألة ليست مسألة أصولية بل من مبادئ الأصول ، وكذا المبحث الأوّل .
( 3 ) سيأتي أن هناك وجها رابعا لحمل كلامهم عليه بما أوّلنا به رأي صاحب الفصول الآتي ، وهو إنكار إدراك العقل لملاكات الأحكام الشرعية . وهو وجه وجيه سيأتي بيانه وتأييده ، وبه تحل عقدة النزاع ويقع التصالح بين الطرفين . ( المصنّف ) .