تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
وكذا في إدراك قبح الشيء باعتبار كونه نقصا للنفس كالجهل ، أو لكونه فيه مفسدة نوعية كالظلم ، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك ويستتبع ذما من جميع العقلاء . فهذا المدح والذم إذا تطابقت عليه جميع آراء العقلاء - باعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيتين ، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعيين - فإنه يعتبر من الأحكام العقلية التي هي موضع النزاع . وهو معنى الحسن والقبح العقليين الذي هو محل النفي والإثبات . وتسمى هذه الأحكام العقلية العامة : ( الآراء المحمودة ) و ( التأديبات الصلاحية ) ( 1 ) ،
شرح
أسباب حكم العقل العملي بالحسن والقبح : ( 1 ) ما المراد من التأديبات الصلاحيّة ؟ يذكر الشّيخ محمد رضا المظفر في كتابه المنطق معنى التأديبات الصلاحية التي تسمى بالمحمودات والآراء المحمودة . وهي ما تطابق عليها الآراء من أجل قضاء المصلحة العامة للحكم بها ؛ باعتبار أن بها حفظ النظام وبقاء النوع ، كقضية حسن العدل وقبح الظلم . ومعنى حسن العدل : أن فاعله ممدوح لدى العقلاء ، ومعنى قبح الظلم : أن فاعله مذموم لديهم . وهذا يحتاج إلى التوضيح والبيان ، فنقول : إن الإنسان إذا أحسن إليه أحد بفعل يلائم مصلحته الشخصية فإنه يثير في نفسه الرضا عنه فيدعوه ذلك إلى جزائه ، وأقل مراتبه : المدح على فعله . وإذا أساء إليه أحد بفعل لا يلائم مصلحته الشخصية فإنه يثير في نفسه السخط عليه ، فيدعوه ذلك إلى التشفي منه والانتقام ، وأقل مراتبه : ذمّه على فعله . هذا بالنسبة إلى المصلحة الخاصة والشخصية . - أما بالنسبة إلى ما يتعلق بالمصلحة العامة : فنجد الإنسان يصنع إذا أحسن أحد بفعل يلائم المصلحة العامة من حفظ النظام الاجتماعي وبقاء النوع الإنساني ، فإنه يدعوه ذلك إلى جزائه وعلى الأقل يمدحه ويثني عليه ، وإن لم يكن ذلك الفعل يعود بالنفع لشخص المادح ، وإنما ذلك الجزاء لغاية حصول تلك المصلحة العامة التي تناله بوجه . وإذا أساء أحد بفعل لا يلائم المصلحة العامة ويخل بالنظام وبقاء النوع ، فإن ذلك يدعو إلى جزائه بذمه على الأقل ، وإن لم يكن يعود ذلك الفعل بالضرر على شخص الذام ، وإنّما لغرض دفع المفسدة العامة التي يناله ضررها بوجه ، وكل عاقل يحصل له هذا الداعي للمدح والذم لغرض تحصيل تلك الغاية العامة . وهذه القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء من المدح والذم لأجل تحصيل المصلحة العامة تسمى ( الآراء المحمودة ) والتأديبات الصلاحية . وهي لا واقع لها وراء تطابق آراء العقلاء . وسبب تطابق آرائهم : شعورهم جميعا بما في ذلك من مصلحة عامة . وهذا هو معنى التحسين والتقبيح العقليين ، وقد وقع الخلاف في إثباتهما بين الأشاعرة والعدلية ، فنفتهما الفرقة الأولى وأثبتتهما الثانية . فإذ يقول العدلية بالحسن والقبح العقليين يريدون أن الحسن والقبح من الآراء المحمودة ، والقضايا المشهورة التي تطابقت عليها الآراء لما فيها من التأديبات الصلاحية ، وليس لها واقع وراء تطابق الآراء .