تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
لعقله أو وهمه أو حسه ، مثل : حكمنا بأن سلب مال الإنسان قبيح ، وأن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه » . وهكذا وافقه شارحها العظيم الخواجة نصير الدين الطوسي . ( الثّالث ) : ومن أسباب الحكم بالحسن والقبح : ( الخلق الإنساني ) الموجود في كل إنسان على اختلافهم في أنواعه ، نحو : خلق الكرم والشجاعة . فإن وجود هذا الخلق يكون سببا لإدراك إن أفعال الكرم - مثلا - مما ينبغي فعلها فيمدح فاعلها ، وأفعال البخل مما ينبغي تركها فيذم فاعلها . وهذا الحكم من العقل قد لا يكون من جهة المصلحة العامة أو المفسدة العامة ، ولا من جهة الكمال للنفس أو النقص ، بل بدافع الخلق الموجود . وإذا كان هذا الخلق عاما بين جميع العقلاء يكون هذا الحسن والقبح مشهورا بينهم تتطابق عليهم آراؤهم . ولكن إنما يدخل في محل النزاع إذا كان الخلق من جهة أخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامة نوعية فيدعو ذلك ( 1 ) إلى المدح والذم . ويجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته عن ( الخلقيات ) ( 2 ) في المنطق ( ج 3
شرح
( 1 ) أي : فيدعو العقل إلى . . . ( 2 ) وتسمى الآراء المحمودة أيضا ويذكر في المنطق للشّيخ محمد رضا المظفر تعريف الخلقيات بحسب تعريف المنطقيين وهي : ما تطابق عليها آراء العقلاء من أجل قضاء الخلق الإنساني بذلك ، كالحكم بوجوب المحافظة على الحرم أو الوطن ، وكالحكم بحسن الشجاعة والكرم وقبح الجبن والبخل . والخلق ملكة في النفس تحصل من تكرر الأفعال الصادرة من المرء على وجه يبلغ درجة يحصل منه الفعل بسهولة ، كالكرم فإنه لا يكون خلقا للإنسان إلا بعد أن يتكرر منه فعل العطاء بغير بدل حتى يحصل منه الفعل بسهولة من غير تكلف . ثم عقب الشّيخ محمّد رضا المظفر قائلا : هكذا عرفوا الخلقيات والخلق . فجعلوا السبب في حصول الشهرة فيها هو الخلق بهذا المعنى ؛ باعتباره داعيا للعقل العملي إلى إدراك أن هذا مما ينبغي فعله أو مما ينبغي تركه . ولكنا - إذا وقفنا - نجد إن الأخلاق الفاضلة غير عامة عند الجمهور ، بل القليل منهم من يتحلى بها ، مع إنه لا ينكر أن الخلقيات مشهورة يحكم بها حتى من لم يرزق الخلق الفاضل ، فإن الجبان يرى حسن الشجاعة ويمدح صاحبها ويتمناها لنفسه إذا رجع إلى نفسه وأصغى إليها ، ولكنه يجبن في موضع الحاجة إلى الشجاعة ، وكذلك البخيل والمتكبر والكاذب ، ولو كان الخلق بذلك المعنى هو السبب للحكم فيها لحكم الجبان بحسن الجبن وقبح الشجاعة والبخيل بقبح الكرم وحسن الإمساك ، والكذاب بقبح الصدق وحسن الكذب . . . وهكذا . والصحيح على حد تعبير الشّيخ المظفر أن يقال : أن الله تعالى خلق في قلب الإنسان حسا وجعله حجة عليه يدرك به محاسن الأفعال وقبائحها ، وذلك الحسّ هو ( الضمير ) بمصطلح علم الأخلاق