تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
ومن العجيب ما جاء في جامع السعادات ج 1 ، ص 59 المطبوع بالنجف سنة 1368 إذ يقول ردا على الشّيخ الرئيس ( 1 ) خرّيت ( 2 ) هذه الصناعة : « إن مطلق الإدراك والإرشاد إنما هو من العقل النظري ، فهو بمنزلة المشير الناصح والعقل العملي بمنزلة المنفذ لإشاراته » ( 3 ) . وهذا منه خروج عن الاصطلاح . وما ندري ما يقصد من العقل العملي إذا كان الإرشاد والنصح للعقل النظري ؟ وليس هناك عقلان في الحقيقة كما قدمنا ، بل هو عقل واحد ، ولكن الاختلاف في مدركاته ومتعلقاته ، وللتمييز بين الموارد يسمى تارة
شرح
فعله ثبتت بعد ذلك صفة القبح له ، فصفة الحسن والقبح لا وجود لها في عالم الواقع قبل خلق العقلاء ؛ بل ينسب إلى ابن سينا أنه كان يقول : إن حسن العقل وقبح الظلم حكمان من العقلاء يتولدان نتيجة آداب وعادات اجتماعية معينة ؛ بحيث لو فرض أن الإنسان خلق وحيدا ولم يعش تلك العادات والآداب لما أدرك بعقله حسن العدل وقبح الظلم . وهناك رأي ثان يقول : إن صفة الحسن والقبح من الصفات الواقعية الثابتة في الواقع بقطع النظر عن العقلاء ، فكما أن استحالة اجتماع النقيضين هي من القضايا الواقعية الثابتة في الواقع حتى قبل وجود العقلاء . كذلك حسن الصدق وقبح الكذب مثلا . والصحيح هو الرأي الثاني ، وبناء عليه قد يقال : ما هو الفرق إذا بين الحكم النظري والحكم العملي بعد عدّ صفة الحسن والقبح من الصفات الثابتة في عالم الواقع كصفة استحالة اجتماع النقيضين ؟ والجواب : إن صفة الحسن والقبح وإن كانت صفة واقعية إلا أنها ترتبط بجنبة العمل ، بل أن جنبة العمل مستبطنة فيها ، فحينما يقال : هذا حسن يعني فعله ، وحينما يقال : هذا قبيح يعني فعله . وهذا بخلاف صفة استحالة اجتماع النقيضين فإنها لا تستبطن ذلك ، وبناء على هذا : فالفارق بين الحكم العملي والحكم النظري هو : أن الحكم العملي حكم متعلق بصفة واقعية يستبطن مفهومها جنبة العمل ، بينما الحكم النظري حكم متعلق بصفة واقعية لا يستبطن مفهومها ذلك « 1 » . ( 1 ) حيث أن الشّيخ الرئيس يقول بنفس ما قاله المصنّف . ( 2 ) أي : ماهر . ( 3 ) أي : أن ما جاء في جامع السعادات حصر الإدراك فقط في العقل النظري ، فيفهم من كلامه : أنّه يوجد في الحقيقة عندنا عقلان عقل نظري وظيفته الإدراك ، وعقل عملي ووظيفته التنفيذ ، وهذا منه غير صحيح ، لأنّك قد عرفت : إنّه لا يوجد عندنا في الحقيقة إلا عقل واحد ، والاختلاف بينهما إنّما هو بحسب اختلاف مدركات هذا العقل الواحد ، فإذا كان مدركه ممّا ينبغي أن يعلم كان عقلا نظريا ، وإذا كان ممّا ينبغي أن يعمل به سمّي عقلا عمليا .
هامش
( 1 ) راجع الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني ، ج 2 ، ص 496 - 497 .