إلا إن اللزوم ليس على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص . فإن هذه كلها لا تسمى مفهوما ولا منطوقا ، إذا : ما ذا تسمّى هذه الدلالة في هذه المقامات ؟
نقول : الأنسب أن نسمي مثل هذه الدلالة - على وجه العموم - ( الدلالة السياقية ) ، كما ربما يجري هذا التعبير في لسان جملة من الأساطين لتكون في مقابل الدلالة المفهومية والمنطوقية .
والمقصود بها - على هذا - : أن سياق الكلام يدل على المعنى المفرد أو المركب أو اللفظ المقدّر . وقسموها إلى الدلالات الثّلاث المذكورة : الاقتضاء والتنبيه والإشارة .
فلنبحث عنها واحدة واحدة .
1 - دلالة الاقتضاء ( 1 ) :
وهي : أن تكون الدلالة مقصودة للمتكلم بحسب العرف ، ويتوقف صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا أو لغة أو عادة عليها .
شرح
1 - دلالة الاقتضاء : ( 1 ) دلالة الاقتضاء هي قسم من الدلالة السّياقية ، والمقصود من دلالة الاقتضاء : هو أن يكون سياق الكلام دالا بالدلالة الالتزامية على معنى مفرد ، أو لفظ مفرد ، أو لفظ مركب ، ( فإذا كان في ذمتك عتق رقبة تقول لزيد من النّاس : أعتق عبدك عني بألف ، فلازم هذا السّياق أن يملكني العبد بألف أولا ثم يعتقه عني باعتبار إنه لا عتق إلا في ملك شرعا ) ؛ بحيث يتوقف صحة الكلام ، أو صدقه على دلالة الاقتضاء ، أي : ما يقتضيه سياق الكلام ، أو ما يلزم من السّياق ، وتكون هذه الدلالة مقصودة للمتكلم بحسب العرف .
فإذا : مناط دلالة الاقتضاء شيئان :
1 - أن تكون الدلالة مقصودة للمتكلم .
2 - تتوقف صحة الكلام أو صدقه عليها . وهذا التوقف - أعني : توقف صحة الكلام ، أو صدقه عليها - تارة : يكون توقفا عقليا بحيث أن العقل يحكم بأن الكلام لا يصح إلا بالتقدير ، أي : العقل يحكم بأن صحة الكلام تتوقف على هذه الدلالة .
ومثاله قوله تعالى :سْئَلِ الْقَرْيَةَفإن صحة هذا الكلام عقلا تتوقف على تقدير لفظ « أهل » ، فيكون من باب حذف المضاف ، فإن القرية شيء جامد لا يسأل فالعقل يجبرنا على أن نقدر شيئا عاقلا يسأل ، وهو لفظ « أهل » ، أو نقدر معنى « أهل » ، وهذا يسمى بالمجاز السكاكي أو العقلي ، ويسمى المجاز في الإسناد ، وهو بأن نجعل من يسأل « أهل » له فردان ، فرد حقيقي وهو نفس الأهل ، وفرد ادعائي وهي القرية . فنزلنا القرية منزلة من يسأل ، وأسندنا إليها السؤال ، وإسناد السؤال إلى القرية إسناد حقيقي ادعائي .