والسر في ذلك : أن الدلالة على انتفاء الوصف لا بد فيها من فرض موضوع ثابت للحكم يقيد بالوصف مرة ويتجرد عنه أخرى حتى يمكن فرض نفي الحكم عنه .
ويعتبر - أيضا - في المبحوث عنه هنا : أن يكون أخص من الموصوف مطلقا أو من وجه ، لأنه لو كان مساويا أو أعم مطلقا لا يوجب تضييقا وتقييدا في الموصوف ، حتى يصح فرض انتفاء الحكم عن الموصوف عند انتفاء الوصف ( 1 ) .
وأما دخول الأخص من وجه في محل البحث فإنما هو بالقياس إلى مورد افتراق الموصوف عن الوصف ، ففي مثل : ( في الغنم السائمة زكاة ) يكون مفهومه - لو كان له مفهوم - : عدم وجوب الزكاة في الغنم غير السائمة وهي المعلوفة . وأما بالقياس إلى مورد افتراق الوصف عن الموصف : فلا دلالة له على المفهوم قطعا ، فلا يدل المثال على عدم الزكاة في غير الغنم السائمة أو غير السائمة كالإبل - مثلا - لأن الموضوع - وهو الموصوف الذي هو الغنم في المثال - يجب أن يكون محفوظا في المفهوم ولا يكون متعرضا لموضوع آخر لا نفيا ولا إثباتا .
فما عن بعض الشافعية من القول بدلالة القضية المذكورة على عدم الزكاة في الإبل المعلوفة لا وجه لا قطعا ( 2 ) .
شرح
( 1 ) بل قد يقال : حتى لو قلنا برجوع الوصف للحكم يمكن لنا منع دلالة الجملة الوصفية على المفهوم ، وذلك لأن مجرد كون الوصف قيدا للحكم لا يثبت كون المعلق عليه هو طبيعي الحكم ، بل جاز أن يكون المعلق عليه هو شخص الحكم ، وهذا لا ينفع لإثبات المفهوم ، فإن قلت : نتمسك بالإطلاق لإثبات ذلك ، قلت : الإطلاق لا يجري في النسب الناقصة كالجملة الوصفية ، وعليه : حتى لو قلنا برجوع القيد للحكم فإنه لا مفهوم لها .
( 2 ) قلنا « في الغنم السائمة زكاة » : إن السائمة أعم وأخص من وجه من الغنم ، وذلك باعتبار إنه ليس كل سائمة غنم بل قد تكون سائمة ولكنها إبل ، وكذلك ليس كل غنم سائمة . فالنسبة بينهما عموم وخصوص من وجه .
س : هل هذا داخل في محل الكلام أم لا ؟
ج : نقول : تارة : ينتفي الوصف ويبقى الموصوف يعني : ينتفي السوم ويبقى الغنم فهذا بلا إشكال داخل في محل الكلام ، فنستطيع أن نتنازع بأن نقول : هل في الغنم المعلوفة زكاة أم لا ؟ وإذا انتفى الموصوف وبقي الوصف يعني : صفة السوم موجودة ، ولكن الموصوف ( الغنم ) منتف بأن تكون إبلا سائمة . هنا لا يدخل في محل النزاع وذلك لأنه يشترط في تحقق النزاع بقاء الموصوف والموضوع ، وهنا في حالة افتراق الوصف عن الموصوف بأن تكون إبلا سائمة . هذا خارج عن محل الكلام لعدم