فرض الجامع بينهما ولو كان عرفيا ( 1 ) .
وإذ يدور الأمر بين الوجهين في التصرف ، فأيهما أولى ؟ هل الأولى تقييد ظهور الشرطيتين في الاستقلال ، أو تقييد ظهورهما في الانحصار ؟ قولان في المسألة ( 2 ) .
والأوجه - على الظّاهر - هو : التصرف الثّاني ( 3 ) ؛ لأن منشأ التعارض بينهما هو ظهورهما في الانحصار الذي لزم منه الظّهور في المفهوم ، فيتعارض منطوق كل منهما مع مفهوم الآخر كما تقدم ، فلا بد من رفع اليد عن ظهور كل منهما في الانحصار ، بالإضافة إلى المقدار الذي دل عليه منطوق الشرطية الأخرى ، لأن ظهور المنطوق أقوى ، أما ظهور كل من الشرطيتين في الاستقلال فلا معارض له حتى ترفع اليد عنه .
وإذا ترجح القول الثّاني - وهو التصرف في ظهور الشرطين في الانحصار - يكون كل من الشرطين مستقلا في التأثير ، فإذا انفرد أحدهما كان له التأثير في ثبوت الحكم . وإن حصلا معا ، فإن كان حصولهما بالتعاقب كان التأثير للسابق . وإن تقارنا كان الأثر لهما معا ويكونان كالسبب الواحد ، لامتناع تكرار الجزاء حسب الفرض .
شرح
* * * ( 1 ) يعني : لا يشترط أن يكون الجامع حقيقيا ، كما في الإنسان الجامع لأفراده بل يكفي أن يكون جامعا عرفيا أي : يكون راجعا إلى اصطلاح العرف على الجامع الذي يجمع بين هذين الشرطين « خفاء الجدران وخفاء الأذان » بعنوان أحدهما أو غيره ، وإلى حدّ الآن كلامنا ثبوتي ، يعني : في الواقع يمكن حل التعارض بهذين الوجهين .
( 2 ) ومن بعد أن انتهينا من مرحلة الثبوت ندخل في مرحلة الإثبات ، أي : أيهم أولى بالتصرف والتقديم هل الوجه الأوّل أو الثّاني ؟
( 3 ) مال صاحب الكفاية إلى هذا التصرف قائلا . . . ولعل العرف يساعد على التصرف الثاني ، كما أن العقل ربما يعين هذا الوجه ، ثم قام بتقريب حكم العقل بما حاصله : إن الأمور المتعددة بما هي مختلفة لا يمكن أن يكون كل منهما مؤثرا في واحد ، بمعنى : لا يمكن أن تجتمع علتان على واحد ، أي : أن قاعدة عدم صدور الواحد إلا عن الواحد تقتضي عدم تأثير الشرطين المختلفين بما أنهما متعددان في واحد وهو الجزاء ، بل لا بدّ من إرجاع المتعدد إلى الواحد حتى يكون هو المؤثر ، فكل من الشرطين إنما يؤثر بلحاظ الجامع الذي هو الشرط حقيقة وينطبق عليه ، وهذه القاعدة العقلية تعين هذا التصرف ، وتجعل الشرط المؤثر الجامع الوحداني المنطبق على كل واحد من الشرطين « 1 » .
هامش
( 1 ) منتهى الدراية في شرح الكفاية ، ج 3 ، ص 365 ( جمعا ما بين المتن والشرح ) .