بالشرط على وجه يمكن فرض الحكم بدونه ، نحو قولهم : « إن أحسن صديقك فأحسن إليه » ، فإن فرض الإحسان إلى الصديق لا يتوقف عقلا على فرض صدور الإحسان منه ، فإنه يمكن الإحسان إليه أحسن أو لم يحسن .
وهذا النحو الثّاني من الشرطية هو محل النزاع في مسألتنا ( 1 ) ، ومرجعه إلى النزاع في دلالة الشرطية على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط ، بمعنى : أنه هل يستكشف من طبع التعليق على الشرط انتفاء نوع الحكم المعلق - كالوجوب مثلا - على تقدير انتفاء الشرط .
وإنما قلنا : ( نوع الحكم ) ، لأن شخص كل حكم في القضية الشرطية أو غيرها ينتفي بانتفاء موضوعه أو أحد قيود الموضوع ، سواء كان للقضية مفهوم أو لم يكن ( 2 ) .
وفي مفهوم الشرطية قولان أقواهما : أنها تدل على الانتفاء عند الانتفاء .
شرح
( 1 ) إن محل النزاع في الجملة الشرطية الذي يكون للموضوع وجود وراء وجود الشرط كما في قولك : إذا جاء زيد فأكرمه هنا يصح أن يقع النزاع في أنه بعد فرض انتفاء الشرط عن الموضوع هل يثبت الحكم أم لا ؟
وأما الجملة المسوقة لبيان الموضوع ( وهي عبارة عن عدم وجود الموضوع وراء وجود الشرط بل الشرط محقق للموضوع كما في قولك : إذا رزقت ولدا فاختنه ، فإن الشرط - وهو رزقت - محقق للموضوع - وهو الولد - فالجملة مسوقة لتحقق الموضوع ) لا معنى للنزاع فيها ، لأن انتفاء شرطها هو انتفاء لموضوعها ، ومعنى ذلك : إنه بانتفاء شرطها لا يبقى موضوع حتى نتنازع عليه ، فلا معنى للتنازع في إنه هل يثبت الحكم له أم لا ؟
( 2 ) يقول فضيلة الأستاذ الشّيخ هادي آل الشّيخ راضي « حفظه الله » : بأن عبارة المصنّف تشير إلى أننا نقصد بالمفهوم هو انتفاء كلي الحكم بانتفاء الشرط ، لا انتفاء شخص الحكم ، لأنّ انتفاء شخص الحكم عند انتفاء الشرط شيء مسلم به ولا نزاع فيه ، وإنّما الكلام والنزاع في كلي الحكم هل الجملة الشرطية تدل على انتفاء كلي الحكم عند انتفاء الشرط أم لا ؟
وتظهر الثمرة فيما لو ورد دليل آخر فإنه يكون معارضا للدليل الأوّل على القول بالمفهوم ، ولا يكون كذلك بناء على إنكاره ، فمثلا : إذا ورد دليل يقول : « إذا جاءك زيد فأكرمه » ، وقلنا بالمفهوم أي : بانتفاء كلي الإكرام عن زيد عند انتفاء مجيئه ، ثم ورد دليل آخر يقول : إذا مرض زيد فأكرمه ، فإن هذا الدليل يكون معارضا للدليل الأوّل ، وأما إذا أنكرنا المفهوم فلا يكون كذلك إذ لا مانع من إنشاء إكرام جديد .