بل ربما يقال أن دلالة الجملة الخبرية على الوجوب آكد ، لأنها في الحقيقة إخبار عن تحقق الفعل بادعاء أن وقوع الامتثال من المكلف مفروغ عنه ( 1 ) .
( الثاني ) : ظهور الأمر بعد الحظر أو توهمه .
قد يقع إنشاء الأمر بعد تقدم الحظر - أي : المنع - أو عند توهم الحظر ، كما لو منع الطبيب المريض عن شرب الماء ، ثم قال له : اشرب الماء ، أو قال ذلك عندما يتوهم المريض أنه ممنوع منه ومحظور عليه شربه .
وقد اختلف الأصوليون في مثل هذا الأمر أنه هل هو ظاهر في الوجوب أو ظاهر في
شرح
فعله الصادر منه ليس فقط مطلوبا بل واجب . لأن افتراض أن الفعل مطلوب ولكن ليس بواجب يعني : افتراض أن الفعل مستحب ، وافتراض أنه مستحب لا ينسجم مع افتراض أن الشخص المخبر عنه يطبق عمله على أفضل الموازين لأن الذي يلتزم بالإتيان حتى بالمستحبات هذا يطبق عمله على أفضل الموازين ، والذي يأتي بالواجبات ويترك المحرمات هذا يطبق عمله على الموازين الشرعية . فإذا : نكتفي في دلالة الجملة الخبرية على الطلب الدالة على الوجوب وجود تقييد واحد .
وأما إذا قلنا بأن الجملة الخبرية الدالة على الطلب تدل على الاستحباب : نحتاج إلى قيد آخر مع القيد الأول وهو « أفضل » أي : لا نكتفي بالقيد الأول القائل أن يأتي بعمله طبق الموازين الشرعية ؛ بل نضم معه قيدا آخر وهو « أفضل » فتكون العبارة : أن يطبق عمله بأفضل الموازين الشرعية ، هذا القيد الزائد إذا لم يكن موجودا فالجملة الخبرية الدالة على إنشاء الطلب تدل على الوجوب .
وأما بناء على الوجه الثاني : فتدل الجملة على الوجوب أيضا ، لأن الملازمة بين الطلب والنسبة الصدورية المصححة للإخبار عن الملزوم ببيان اللازم ، إنما هي في الطلب الوجوبي ، أي : لا إشكال بأن هذه الملازمة موجودة بين الطلب الوجوبي وبين الصدور ، وأما الطلب الاستحبابي : فلا ملازمة بينه وبين النسبة الصدورية ، أو هناك ملازمة بدرجة أضعف . إذا : الملازمة الذي صححت هذا الإخبار أساسا موجودة بين الوجوب وبين الصدور ، فحينئذ : حينما يخبر عن اللازم يكون غرضه الإخبار عن الملزوم ، والملزوم هو خصوص الطلب الوجوبي ، فتدل الجملة على الطلب الوجوبي .
- وأما بناء على الوجه الثالث : أي : بناء على الالتزام بالتجوز في مقام استعمال الجملة الخبرية ، كما هو مقتضى الوجه الأخير ؛ لا نستطيع أن نعين الوجوب لأن المفروض : أن الجملة الخبرية - كما قلنا - سلخناها عن معناها الحقيقي ، فيشكل حينئذ دلالتها على الوجوب ، إذ كما يمكن أن تكون مستعملة في النسبة الإرسالية الناشئة من داع لزومي ، كذلك يمكن أن تكون مستعملة في النسبة الإرسالية الناشئة من داع غير لزومي .
( 1 ) أي : يكون ذلك على أساس الكناية بأن يخبر عن اللازم ويريد الملزوم كقولهم : زيد كثير الرماد بقصد الإخبار عن وجود كرمه ؛ لا كثرة رماده ، ففي المقام : يكون قوله : « يعيد الصلاة » كناية عن ملزوم الإعادة خارجا ، وهو طلب الإعادة ، لا الإخبار عن نفس الإعادة خارجا .