وكونها قربية إنما هو بإتيانها بقصد امتثال أوامرها أو بغيره من وجوه قصد القربة إلى الله تعالى ، على ما ستأتي الإشارة إليها . وتسمى هذه الواجبات ( العباديات ) أو ( التعبديات ) كالصلاة والصوم ونحوها .
شرح
والكلام يقع في تحليل الفرق بين القسمين ، فهل الاختلاف بينهما يرجع إلى عالم الحكم والجعل والوجوب ، بمعنى : أن قصد القربة والامتثال يكون مأخوذا قيدا ، أو جزء في متعلق الوجوب التعبدي ، والمراد من متعلق الأمر والوجوب في مثال : « أقيموا الصلاة » هي الصلاة ، فمتعلق الأمر ما ينصب عليه الوجوب وهنا انصب الوجوب على « الصلاة » مع قصد القربة ، فقصد القربة يكون مأخوذا في متعلق الأمر ، وأما التوصلي فهو الذي لم يؤخذ قصد الامتثال فيه .
أو أن الفرق بينهما يرجع إلى عالم الملاك دون عالم الحكم ، بمعنى : إنه لا يوجد فرق بينهما في متعلق كل منهما أي : أن كل منهما ينصبان على ذات الفعل « ذات الصلاة » من دون قصد القربة والامتثال ، وإنما الفرق بينهما من حيث الغرض والملاك فإن الغرض في الواجب التعبدي لا يحصل إلا إذا قصدت القربة بالفعل ، وأما الغرض في الواجب التوصلي يحصل من دون قصد القربة بالفعل ، إذا : إن مرد الاختلاف إلى عالم الملاك والغرض دون عالم الحكم بمعنى : أن الوجوب في كل من القسمين متعلق بذات الفعل ولكنه في القسم الأوّل في الواجب التعبدي ناشئ عن ملاك لا يستوفى إلا بضم قصد القربة ، وفي القسم الثاني ناشئ عن ملاك يستوفى بمجرد الإتيان بالفعل .
ومنشأ هذا الكلام : هو احتمال استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر ، فإن ثبتت هذه الاستحالة تعين تفسير الاختلاف بين التعبدي والتوصلي بالوجه الثاني ؛ وإلا تعين تفسيره بالوجه الأول .
- ذهب صاحب الكفاية في كفايته : إلى أن التفرقة بين التوصلي والتعبدي راجعة إلى عالم الملاك والغرض دون عالم الحكم ؛ لاستحالة أخذ قصد القربة والامتثال في متعلق الأمر بأن يقول : تجب عليك الصلاة بقصد الامتثال . لما ذا ؟ ومن هنا يتجه البحث إلى تحقيق حال هذه الاستحالة وقد برهن عليها بوجوه :
الأوّل : ذكر الآخوند الخرساني صاحب الكفاية : أن قصد امتثال الأمر متأخر رتبة عن الأمر لما ذا متأخر ؟ لأنه إذا لم يوجد أمر لا أستطيع أن أقصد امتثال الأمر إذا : أولا يكون هناك أمر ثم يتم قصد امتثاله فلو أخذ قصد الامتثال قيدا ، أو جزء في متعلق الأمر والوجوب لكان قصد الامتثال داخلا في معروض الأمر ضمنا ، ( يعني : كان في ضمنه وكان جزء من متعلق الأمر ) ، ومتقدما على الأمر تقدم المعروض على عارضه ، فيلزم كون الشيء الواحد متقدما ومتأخرا « 1 » .
وبعبارة أخرى : ذكر الآخوند وجماعة لزوم صيرورة قصد الامتثال متقدما ومتأخرا في آن واحد ، وهو مستحيل كما هو واضح . والوجه في لزوم ذلك : أن قصد امتثال الأمر متأخر عن وجود الأمر ، إذ لا بدّ
هامش
( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة ، ج 1 ، ص 359 - 360 ( بتصرف ) .