الشكّ في الحجّية محقّقاً وجداناً لعدم العلم . أمّا لو قلنا بأنّ تقديم دليل الحجّية على ذلك العموم بطريق الحكومة ، بأن يقال : إنّ جعل الشارع حجّية الأمارة مرجعه إلى جعل العلم التعبّدي ، ولا ريب أنّ العلم التعبّدي قابل للشكّ ، فمع الشكّ في الحجّية يكون المكلّف شاكّاً في تحقّق العلم التعبّدي وعدم حصوله ، فلا يشمله عموم المنع من الأخذ بغير العلم ، للشكّ في كونه غير عالم ، ويكون التمسّك بذلك العموم حينئذ تمسّكاً بالعموم في الشبهة المصداقية .
لأنّا نقول : إنّ العلم التعبّدي وإن كان قابلًا للشكّ ، إلّا أنّ دليل المنع من الأخذ بغير العلم لم يكن مقيّداً بعدم العلم التعبّدي ، بل المراد هو عدم العلم الوجداني ، غايته أنّه إذا ثبت التعبّد بالأمارة يكون ثبوته حاكماً على عموم عدم العلم ، فمع الشكّ في ذلك التعبّد لا مانع من التمسّك بعموم المنع من الأخذ بغير العلم ، لأنّ ذلك الشاكّ غير عالم وجداناً وإن كان شاكّاً في حصول العلم التعبّدي ، وإلّا لوجب عدم التمسّك بالعموم عند الشكّ في تحقّق الحاكم عليه .
مثلًا أنّ للشكّ في الصلاة أحكاماً ، ودليل « لا شكّ لكثير الشكّ » حاكم على أدلّة تلك الأحكام ، فلو شككنا في شمول كثير الشكّ لمن حصل له الشكّ مرّتين ينبغي أن يسقط عموم تلك الأحكام في حقّه . وهكذا الحال فيما لو شككنا في حجّية خبر الشخص الواحد في أنّ المكلّف قد أتى بالمشكوك أو لم يأت به ، وهكذا الحال في نسبة « لا شكّ للإمام مع حفظ المأموم » إلى أدلّة حكم الشكّ .
فإنّا لو شككنا في أنّ الشارع هل قال : لا شكّ لمن هو ضعيف المزاج ، ونحو ذلك ممّا يكون على تقديره أو تقدير حجّيته حاكماً على أدلّة الشكّ .
وهكذا الحال في حكومة دليل الأمارة على دليل الأُصول من الاستصحاب وبقية الأُصول ، فإنّ لازم ما أُفيد في هذا المقام هو أنّ الأمارة المشكوكة الحجّية
أصول الفقه — صفحة 354
مساهمون: الشيخ حسين الحلي
ص٣٥٤