والشرع مزيدا على ما ذكرنا ، فنقول : بعد أن أشار قدّس سرّه في طيّ كلامه إلى مقدّمتين :
إحداهما : أنّه لا حكم للعقل إلّا بعد أن يحيط بجهات الموضوع تفصيلا ، وغيرها من الخصوصيّات ممّا لها المدخليّة في المصلحة والمفسدة ، ولذا لا يعقل الشكّ فيه ، فإمّا أن ترى المصلحة موجودة مع عدم مزاحم لها فيحكم بالحسن ، وإلّا فيحكم بالقبح ، والترديد والشبهة ليس له .
ثانيهما : أنّ الشكّ في حكم العقل لمّا لا يعقل في نفسه ، فإن تصوّر له في وقت ترديدا فيرجع إلى الموضوع وأنّ الملاك لحكمه الّذي هو بمنزلة الموضوع له ، هل هو بماله من الخصوصيّات باق أم لا ، مثل ما لو حكم سابقا بحسن الكذب النافع فيستحيل أن يشكّ في وقت في ما حكم من حسنه ، بل لو تردّد فيرجع إلى بقاء نفعه الّذي هو المتمّم لملاك حكمه أم لا ؟
فأيضا لا حكم له حينئذ ، إذ لا يعقل مع الشكّ في وجود الموضوع وأجزائه « 1 » .
فحاصل المقدّمتين عدم مجال للشكّ في حكم العقل « 2 » ولا في موضوعه ، أمّا الأوّل ؛ فلما عرفت من أنّه إمّا أن يرى مناط حكمه فيحكم ، وإمّا أن لا يراه موجودا فلا حكم له قطعيّا .
وأمّا الثاني ؛ فأيضا لا يرجع الشكّ فيه إلى محصّل ، مثلا إذا شكّ في كذب بأنّه نافع وباق على نفعه أم لا ، فلا يمكن أن يوجد بذلك شرط الاستصحاب وموضوعه ، بأن يقال : إنّ هذا الكذب كان سابقا حراما والآن نشكّ فيه
هامش
( 1 ) انظر ! فرائد الأصول : 3 / 215 - 220 .
( 2 ) فالشبهة الحكميّة في الأحكام الفعليّة لا تتصوّر أصلا ، ولكنّ الشبهة الموضوعيّة وإن كانت تتصوّر إلّا [ أنّها ] لا تنتج شيئا ، فتأمّل ! « منه رحمه اللّه » .