وهذا ؛ بخلاف ما لو كان العلم والمعرفة مأخوذين على النحوين الآخرين ، فقد تبيّن أنّه لا مجال حينئذ لجريان الاستصحاب مطلقا ، بل لا محيص عن تحصيل المعرفة الوجدانيّة ، وإلّا - أي إن لم يمكن - فالتوقّف ، كما لا يخفى .
هذا تمام الكلام بالنسبة إلى الاعتقاد والبناء ، وأمّا المعرفة بشيء من أصول الدين كالنبوّة ؛ فما تقدّم بالنسبة إليها من أنّ التكليف بها من آثار نفس المعرّف أو العلم به فهو جار فيها أيضا .
الأمر الثالث : أنّه مع تماميّة المقدّمات المذكورة وتسليم اجتماع شرائط جريان الأصل من تلك الجهات يقع الكلام في أنّ الأمور المذكورة من التديّن وعقد القلب ومعرفة الخالق ووسائط فيضه وأمثالها ، من الأمور العقليّة - بحيث يكون العقل بالنسبة إليها وإدراكها مستقلّا ، ولا محلّ للتصرّف الشرعي فيها ، نظير وجوب الإطاعة الّتي لا تنالها يد الشارع إلّا بنحو الإرشاد - أم لا ، بل هي من الأحكام الشرعيّة أو ممّا لها آثار كذلك ؟
فإن كان من قبيل الأوّل ؛ فلا مجال لجريان الأصل الشرعي فيها ؛ ضرورة أنّ محلّ إجرائها إنّما هو القضايا الشرعيّة المجعولة من قبلها استقلالا لا إرشاديّا ، بل لمّا كان الحاكم بها العقل ، وهو لا يشكّ في حكمه ، فإمّا أن يرى مناطه موجودا فيحكم ؛ وإلّا فلا ، فحينئذ لا يبقى موضوع للأصل .
وأمّا لو كان من قبيل الثاني ؛ فمجال جريان الاستصحاب حينئذ بالنسبة إلى نفسها أو موضوعاتها وإن كان واسعا ، ولكنّ الإشكال في إثباته .
إذا تبيّن ما ذكرنا فقد اتّضح لك أنّ شرائط جريان الأصل في ما نحن فيه أيّ شيء هي ؟ وأنّه ما لم تنقّح هذه المراحل ولم يثبت أنّ مسألة أصول العقائد من أيّ منها ، فلا محلّ لجريان الاستصحاب ودعواه فيها .
الأصول — صفحة 197
مساهمون: الميرزا أبو الفضل النجم آبادي
ص١٩٧