وهذا أيضا تتصوّر له جهتان ؛ فتارة : يكون وجه اعتباره من حيث الأمر الوجودي أي إراءته للغير وكشفه للواقع ، وأخرى : يؤخذ موضوعا من جهة أمره السلبي ، أي لكونه كاشفا للحجاب عن المعلوم وارتفاع سترة الواقع وظلمه الجهل به ، فإنّ هذه جهات مختلفة موجودة للعلم وتختلف بها الآثار أيضا ، كما في الشرعيّات ، حيث إنّ في مسألة اليمين والشهادة في كلتيهما قد ورد عن الشرع اعتبار العلم فيهما وعدم جواز اليمين إلّا على المقطوع ، وكذلك في البيّنة ؛ إذ في الأخبار الأولى : « لا يمين إلّا عن بتّ » « 1 » وفي الثانية : « أترى » أو « أترى الشمس ؟ » « 2 » وأمثال ذلك من التعبيرات .
وبالجملة ؛ المستفاد من كليهما اعتبار العلم بالمشهود به والمحلوف عليه ، مع أنّ الأصحاب فرّقوا بينهما ، حيث بنوا على جواز الشهادة بالاستصحاب دون اليمين ، فلا يجوّزون الحلف إلّا مع القطع الوجداني ، وذلك لأنّهم استفادوا من العلم في الشهادة من جهته الوجوديّة ، ولذلك يقوم مقامه الاستصحاب ، إذ مفاده أيضا إثبات اليقين بالواقع والإراءة ، بخلاف باب اليمين ، فاستفادوا منها اعتباره من حيثيّته السلبيّة ورفعه الحجاب .
ومن المعلوم ؛ أنّ ذلك لا يجتمع مع الشكّ بالمحجوب ، ولذلك لا يجوز الحلف بالاستصحاب ، إذ هو وإن كان مفاده إثبات اليقين أو المتيقّن إلّا أنّه مع حفظ الشكّ يثبتهما ، نعم ؛ الأمارات حينئذ تقوم مقام العلم ؛ إذ مفادها إثبات الواقع مع رفع الشكّ .
هامش
( 1 ) لم نعثر على رواية بهذا المضمون وإنّما هو قول ، انظر ! مسالك الإفهام : 13 / 484 - 486 ، جواهر الكلام 40 / 244 - 246 ، مستند الشيعة : 17 / 262 ، مفتاح الكرامة :
10 / 121 - 123 .
( 2 ) وسائل الشيعة : 27 / 342 الحديث 33883 ، وفيه : « هل ترى الشمس ؟ »