الكلام في مفاد الطرق
إذا عرفت ذلك فنقول : أمّا بناء على حجيّة الاستصحاب من باب الأخبار فتقريب الاستدلال لحجيّة الأصل المثبت يختلف حسب اختلاف المسالك في وجه منجّزيّة هذا الأصل ، وأنّ مفاد الاستصحاب أيّ شيء هو ؟ فتنبغي الإشارة إليه توضيحا للمقصود وإن كان تفصيله تقدّم في المباحث السابقة .
فنقول مستعينا باللّه : إنّه تارة يقال : إنّ مفاد الاستصحاب ليس إلّا تنزيل الشكّ منزلة اليقين والأمر بترتّب الآثار ، بمعنى : أنّ الشارع بنفسه تكفّل أمر التنزيل فأمر المكلّف بمتابعته في ذلك ، ومعنى تنزيله : أنّه جعل مماثل الحكم الواقعي الثابت في ظرف اليقين في ظرف الشكّ به ، كما أنّه في الموضوعات جعل مماثل أثرها ، كما اشتهر ذلك في كلماتهم .
ثمّ إنّه لا يمكن على ذلك أن يكون التنزيل متوجّها إلى نفس اليقين ، وذلك لأنّه لا بدّ أن تكون التنزيلات الشرعيّة بلحاظ الآثار الشرعيّة ، فما لم يكن للمنزّل عليه أثر شرعيّ لا يعقل التنزيل ، ولمّا ليس لليقين الطريقي أثر شرعي ، بل أثره عقليّ محض ، وهو لزوم الامتثال وموافقته ، فالتنزيل بلحاظ نفس اليقين - بمعنى جعل حكم المماثل له للشكّ - غير معقول .
لا يقال : إنّ صاحب هذا المسلك قد التزم به في باب الأمارات أيضا ففيها يبني على التنزيل ، وجعل المماثل ، مع أنّه لا أثر لليقين القائم مقامه الظنّ ، مع التزامهم بكون الظنّ بلحاظ الأثر - أي منجّزيّته للواقع - نزّل منزلة اليقين ، فكيف يجوّز هناك وهنا ممنوع ؟