لا خفاء في أنّ الطرفين متسالمون على القاعدتين المعروفتين ، وهما : قبح العقاب بلا بيان ، ووجوب دفع الضرر المحتمل ، ولا أظنّ أحدا ينكرهما مع كونهما من الارتكازيّات ، بل الفطريّات الأوّلية .
وبالجملة ؛ الظاهر كون الكبرى مسلّما عند الطرفين ، وإنّما نزاعهما في الصغرى ، فالأخباريّون يدّعون وجود البيان الإجمالي إمّا عقلا ؛ للعلم الإجمالي الّذي مقتضاه بحكم العقل الاحتياط ، أو شرعا من قبيل بعض الآيات والأخبار الدالّة على لزوم الاحتياط عند الشبهات « 1 » ، فمن ذلك لمّا يحتمل الضرر فيصير المورد من صغريات وجوب دفع الضرر المحتمل .
والمجتهدون ينكرون وجود الدليل على ذلك ؛ فلا موجب للاحتياط عند الشبهة ، فتدخل المسألة في قاعدة قبح العقاب بلا بيان .
فمن ذلك ظهر أنّه لا مجال في المقام لأحد الطرفين للتمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان للمجتهدين ، ولا بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل للأخباريّين ، ولا ينبغي عدّهما من الأدلّة ، إذ قد عرفت أنّهما بكليّتهما ليس أحد ينكرهما ، وإنّما نزاع الطائفتين في الصغرى ، والمفروض أنّ القاعدتين من هذه الحيثيّة لا تنفعان لإثبات الصغرى ، وإنّما يحتاج تطبيقهما عليها من الخارج .
فظهر أيضا أنّه لا مجال للتمسّك ببعض الآيات أو الأخبار الّتي لسانهما لسان هاتين القاعدتين ، مثل قوله تعالى :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 2 » . . . إلى آخره ؛ إذ الأخباري يدّعي أنّ البيّنة قامت على لزوم الاحتياط في الشبهات ، إمّا
هامش
( 1 ) الطلاق ( 65 ) : 7 ، وانظر ! وسائل الشيعة : 27 / 119 الحديث 33368 ، 154 الحديث 33465 ، 159 الحديث 33478 .
( 2 ) الأنفال ( 8 ) : 42 .