تكليفيّة نشأت عن الإرادة بداعي الترخيص عند المخالفة ، والالتزام عند الموافقة ، ولازم ذلك - كما بيّنا - أن يتعدّى الواقع عن موطنه ويصل إلى حدّ مؤدّى الأمارات .
وأمّا على مسلك الكشف ؛ فالواقع لا يتجاوز عن موطنه ، وليس هناك إرادة وحكم ، بل الأمارات إنّما هي طريق إلى الواقع ، نظير العلم ، فكما أنّ في صورة العلم بالواقع ؛ الواقع لا ينقلب عن موطنه الأصلي ، والشارع لا تتجاوز إرادته عن رتبة الذات ، بل العقل يجعل مماثلا له عند العلم به ، ويحكم بوجوب المتابعة ، فكذلك بناء على أن يكون المراد من جعل الطريق جعله بمنزلة العلم ، فأيضا العقل يجعل مماثلا للحكم الواقعي المحتمل في ظرف الجهل به عند قيام الأمارة ، بخلاف مسلكنا ، فالمتكفّل لجعل المماثل بناء عليه يكون الشارع بنفسه ، فيكون مؤدّاها الحكم الواقعي بلا لحاظ علم أو غير ذلك .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ الّذين ذهبوا إلى جواز حكم الحاكم بعلمه استدلّوا أوّلا بمفهوم قوله عليه السّلام : « رجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم ، فهو في النار » « 1 » ، فإنّ مفهومه يقتضي بأنّه إذا علموا وحكموا فهم من الّذين يكونون في الجنّة « 2 » .
مع أنّ العلم أولى من الطرق الظنيّة ، كالبيّنة ونحوها ، فهذا القول والمبنى يثمر إذا كان البناء في حجيّة الأمارات هو جعلها بمنزلة العلم .
هامش
- خاصّة ، بل قد يستفاد من مثل « لا تنقض » ، وقد يستفاد من مثل : « احتط » ، وقد يستفاد من مثل : « لا عذر للتشكيك في موالينا » وغير ذلك من الألسنة ؛ « منه رحمه اللّه » .
( 1 ) وسائل الشيعة : 27 / 22 الحديث 33105 .
( 2 ) نفس هذه الفقرة أيضا منطوق بها في الرواية ولم يستدلّوا بذلك ، بل استدلالهم إنّما يكون بأولويّة العلم في الاستكشاف والطريقيّة ، كما أشرنا إليه ؛ « منه رحمه اللّه » .