فالحريّ أوّلا البحث عن ذلك ، ويتّضح الأمر بعد معرفة معنى الحجيّة هل هي بمعنى سببيّة العقوبة ؟ ويندفع ذلك بعد توضيح مقدّمتين :
الأولى : أنّه لا إشكال في فرق بين المقام وإجمال النصّ ، ضرورة أنّ في إجمال النصّ في كلّ من طرفي الشكّ وما تعلّق به العلم إجمالا يشكّ في كونه متعلّقا للتكليف الإلزامي والإرادة الجديّة الداعية للفعل أو الترك ، بخلاف المقام ، فإنّ الإلزام والإرادة في صورة موافقة الطريق للواقع متحقّقة .
هامش
- وثانيا : يوجد في أدلّة الأمارات ما هي غير ظاهرة في المولويّة والحكم التكليفي ، كآية النبأ ( الحجرات ( 49 ) : 6 ) وقوله عليه السّلام : « لا عذر لأحد في التشكيك في موالينا » ( وسائل الشيعة : 27 / 149 ، الحديث 33455 ، مع اختلاف يسير ) وغيرها ( وسائل الشيعة : 27 / 138 ، الحديث 33419 ) فحينئذ ليس رفع اليد عن الظهور .
وثالثا : أنّه - كما سيأتي - تطرأ المناقشة في أدلّة الأمارات مطلقا ، بحيث لا تبقى إلّا السيرة ، وقد أشرنا إلى قيامها على الطريقيّة والواسطيّة للإثبات الّتي أمضاها الشارع ، كما اعتبرها العقلاء .
وبالجملة ؛ حسبما أفاد - دام ظلّه - لا تنزيل في البين أصلا لا بالنسبة إلى الأمارات ولا الأصول التنزيليّة ولا غيرها ، حتّى يرد عليه من أنّ التنزيل لا بدّ وأن يكون بلحاظ الأثر ، ولا أثر شرعيّا للعلم ، بل هو الجعل بالمعنى المتقدّم ، والجعل في التشريعيّات عين تكوينها .
غاية الأمر أنّ الحجيّة في الأصول التنزيليّة بلحاظ العمل لا من حيث الإحراز ، كما في الأمارات لمّا أخذ في موضوعها الشكّ .
وأمّا في الأصول العمليّة المحضة وإن كان الأمر فيها في الجملة أشكل ؛ لظهور أدلّتها في ثبوت الحكم فعلا للموضوعات المشتبهة فكيف يجتمع مع ما لها من الأحكام الواقعيّة ؟
والمفروض هو أنّه ليس فيها جهة الإحراز وإعمال الجهة كما في الأوليين .
ولكنّ التحقيق أنّ فيها أيضا لا حكم فعلا إلّا مع المصادفة ، وإلّا فصورة حكم نظير ما يحكم به العقل في رتبة المنجّز مع عدم إحراز المنجّز ؛ لقبح العقاب من غير بيان ، فالشارع كذلك حكم بالحلّية الظاهريّة ، لعدم اشتداد المصلحة الواقعيّة لو كانت ثابتة ، بحيث يقتضي حفظها مع الجهل بالواقع حتّى يلزم ذلك جعل المنجّز حينئذ ، فتأمّل ! « منه رحمه اللّه » .