ضرورة أنّ ما ذكرنا من الروايات « 1 » وغيره « 2 » لمّا كانت مسوقة لبيان أحكام وأنشئت عن دواع عقلائيّة الكاشفة بالأخرة عن الإرادات بالنسبة إلى الواقع ، ولكن لمّا لم يمكن إثبات منجّزيّة الواقع بنفسها لكون الأوامر الثابتة بالأمارات مردّدا أمرها بين الترخيص والإلزام ، فيلزم أن لا تكون قابلة ، لأن تصير داعيا على الإطاعة ، فيلزم أن تكون لغوا ، فلا بدّ من أن تحمل على الإرشاد إلى ما هو يصير داعيا ، وهو حكم العقل ، فيعبّر عن ذلك بجعل الحجيّة أو الحجّة .
هكذا لا بدّ أن يقرّب من يعدل عن الأخذ بظواهر هذه الأدلّة ويجعلها إرشادا إلى جعل الحجيّة .
[ هل الحجيّة أمر قابل للجعل كالملكيّة والحريّة أم لا ؟ ]
ولكنّا إن أثبتنا كون نفس هذه الأدلّة كافية في الكاشفيّة عن منجّزية الواقع فلا تصل النوبة إلى هذه الدعوى ، بل تظهر استحالتها ، لما عرفت من لزوم اللغويّة ، فالمهمّ رفع الشبهة المذكورة فنقول أوّلا : هل الحجيّة أمر قابل للجعل كالملكيّة والحريّة أم لا « 3 » ؟
هامش
( 1 ) مرّ آنفا .
( 2 ) الكافي : 1 / 40 الباب 9 و 58 الحديث 19 ، و 59 الحديث 2 و 199 الحديث 1 ، بحار الأنوار : 1 / 178 الحديث 58 .
( 3 ) لا يخفى أنّه أوّلا على ما استفدنا في بحث الأستاذ لا فرق بين المسلكين أصلا ، بل الأستاذ النائيني - مدّ ظلّه - أيضا يلتزم بجعل الحجيّة ، بمعنى إمضاء ما هو الحجّة عند العقلاء ويرونه طريقا ، فعلى هذا يرتفع الإشكال من حيث كون الحجيّة غير قابلة للجعل ، إذ هي ليست إلّا الواسطة في الإثبات حسبما يراها العقلاء بالنسبة إلى الأمارات والشارع أيضا أمضاها . -