الاستصحاب وهو ان يثبت الوضع للمعنى عرفا فيحكم بثبوته لغة أيضا لان الأصل عدم النقل وهذه الطريقة وان كانت معروفة في الأصول وبها ارتفع النزاع بين الأصوليين في مواضع لكون الامر للوجوب والنهى للحرمة والعام للعموم إلى غير ذلك ولكن يقع الاشكال فيه من وجوه الأول ان ظاهره فرض وقوع الحقيقة العرفية وهي مباينة للحقيقة اللغوية بشهادة قسمة الحقائق إلى اللغوية والعرفية وجعل كل منهما قسيما للآخر فكيف يصح جريان الاستصحاب فيهما مع تباينهما ويمكن دفعه بان المراد بالعرفية هنا غير ما ذكروه ثمة وهي ما يستفاد منه المعنى في العرف مط وان كان المعنى أصليا فهي أعم من اللغوية من وجه لتصادقهما في الحقائق اللغوية الباقية وتفارق العرفية اللغوية في الأوضاع الطارية واللغوية العرفية في اللغوية المهجورة الثاني ان المفهوم منه ان اصالة عدم النقل يراد بها الاستصحاب لا غير وفيه انه ليس كذلك فإنه يمكن ان يراد بها الظاهر فان العرف لما كان الأصل فيه المرآتية بالنسبة إلى اللغة وتبعيته لها حيث لا يصير العرف عرفا الا بذلك والا فيكون لغة أخرى وما يتحقق التخالف أحيانا كالدابة فهو قهري كما يصير اللفظ كثير الدوران في العرف في فرد من افراد الموضوع له أو في غيره فينقلب بتمادى الاعصار فيصير حقيقة في غير ما كان حقيقة فيه ومع ذلك فهو في غاية الندرة فعلى هذا فالنقل خلاف الظاهر فإذا ثبت كون لفظ في معنى حقيقة في العرف ثبت كونه حقيقة في اللغة بظهور اتحادهما ولو احتمل حدوث النقل يدفع بالأصل بمعنى الظاهر فالمثبت في اللغة المثبت في العرف لذلك وكفاية ذلك في اثبات اللغات فعلى هذا لو جهل العرف المتقدم كعرف الشارع وعلم المتأخر كعرفنا أو بالعكس بنى المجهول على المعلوم فلم ينحصر كون الأصل بمعنى الاستصحاب مع أنه لو كان بمعنى الاستصحاب يشترط بافادته الظن لعدم جواز التمسك في اثبات اللغات بالشك مع كونه خلاف كلمة القوم جميعا بل لا يمكن التفوه به وهو ظ وما يقال إن اصالة عدم النقل لا يدل على كون اللفظ موضوعا لما هو حقيقة في العرف كالوجوب للامر إذ يجوز كونه بمعنى آخر كالطلب أو الندب ثم استعمله الواضع في ذلك المعنى مجازا فاشتهر عند أهل العرف فصار حقيقة عرفية فاصالة عدم النقل باقية بحالها مع عدم الوضع فيه ان بناء التمسك به قد عرفت كونه على الظهور وكفايته في اللغات ولا ريب ان ما ذكره خلاف الظاهر جدا على أن مقتضى اصالة عدم النقل اتحاد حال عصرنا مع عصر السابق إذ لو كان اللفظ في العصر السابق مستعملا في هذا المعنى مجازا لكان حقيقة في غيره دونه فيلزم النقل فكيف لا ينافيه مع أن هذا الاحتمال في الامر مخالف لاتفاقهم مع كونه مما يعم به البلوى ومنه ينقدح دفع ما يمكن ان يقال لعله وضع الواضع اللفظ لمعنى ولم يستعمل فيه واستعمل فيما يناسبه فاصالة عدم النقل بحالها مع عدم كون المعنى المذكور حقيقة لغة الثالث ان بما مر ظهر ان التمسك بالأصل في المقام لدفع احتمال طرو المانع لا لاثبات المقتضى وبه يندفع ما اعترض عليه من أن التمسك باصالة عدم النقل اثبات اللغة بالترجيح فلا يصح عده مما يمكن اثبات اللغة به نعم يصح ضمه إلى التبادر في العرف لاثبات اللغة كما فعله بعضهم
إشارات الأصول — صفحة 75
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٧٥