الجبار والغزالي وافقه في الجزء وتردد في الشرط إلّا أنه قال بعد ذلك وإذا حقق كان الحاقه بتنقيص قدر العبادة أولى والحق الأول فان بنقصان الجزء ينفى الكل ضرورة ان رفع الجزء يستلزم رفع الكل والوجوب امر بسيط غير مركب ولا متعدد والباقي لم يكن له حكم بالأصالة بل بالتبع وهنا قد حصل له حكم اصالة شرعا فلا يكون حكمه باقيا فالمثبت غير المنفى كما أن المنفى غير المثبت وبمثله يبين الامر في نقصان الشرط فان متعلق الحكم أولا غير ما تعلق به الحكم ثانيا فالحكم ارتفع من الأول وهو الأخص وتعلق بالثاني وهو الأعم فتعدد المتعلق واستدل بأنه ثبت تحريمها بدون الجزء والشرط ثم ثبت جوازها بدونهما وأجيب بان المفروض انه لم يتحدد وجوب بل أبطل الوجوب فقط والثابت هو الوجوب الأول والزيادة باقية على الجواز الأصلي وانما الزائد وجوبها فارتفع حكم شرعي لا إلى حكم شرعي فلا يكون نسخا وفيهما نظر اما في الأول فلان الملحوظ في النسخ هنا حكم الوجوب فإنه المرتفع ح لا التحريم المأخوذ من العقل وان وافقه الشرع كالإباحة الأصلية المرتفع بالوجوب فان النسخ لو تحقق بالنسبة اليه ليس الكلام ح فيه لأنه ليس نسخا للعبادة وانما الكلام فيه على أن النسخ لا يتحقق بالنسبة إلى رفعه فان ذلك لا يسمى نسخا عندهم كما يبين من ديدنهم والسر فيه ان التحريم المذكور والإباحة الأصلية تغييرهما من باب تغيير الموضوع بالوصف وتبديله لا من باب رفع الحكم مع بقاء الموضوع بوصفه فان الحرمة باعتبار الادخال في الدين ما ليس منه والافتراء بالشارع وهو لم يرتفع غاية الأمر خروج الموضوع عن الموضوعية ومثله الإباحة فلا يكون رفعهما من النسخ فلا ينافيه موافقة الشرع للعقل في جعل حكمهما الحرمة والإباحة فاحتفظ به واما في الثاني فلعدم مطابقته مع كلام المستدل حيث اخذ الحكم الأول الحرمة بخلافه فإنه جعله الوجوب سلمنا لكن قوله لم يتجدد وجوب لا يصح فان وجوب الركعتين بالنظر إلى الأمر الأول لو كان فتبعى وبالنظر إلى الآن فاصلى فكيف يمكن استناده إلى الأمر الأول ومع ذلك ان أراد من فرض عدم تجدد الوجوب عدم تجدده من غير الناسخ لا يضر وان أراد عدم تجدده منه منعناه وقلنا المفهوم من نقص ركعة من الثلث وأمثاله مثلا الامر بالباقي عرفا فيكون الوجوب منه لا من الأول على انك قد عرفت ان استناده إلى الأمر الأول غير معقول فان الوجوب المتعلق به لو كان انما هو امر تبعي وما هو الآن موجود امر ابتدائي أصيل وأيضا يلزم منه الجمع بين خصوص الحقيقة والمجاز في اطلاق واحد وهو فاسد كما مر مرارا فبطل قوله والثابت هو الوجوب الأول وما بعده باطل لاستلزامه عدم نسخ المرتفع كالركعة مع كون بطلانه متفقا عليه بينهم تحقيقا ونقلا حتى من المجيب على أنه يستلزم عدم جواز النسخ لا إلى بدل وهو باطل حتى عنده هذا ولو أغمضنا عن الجميع لقلنا ان غير ما جعله مفروضا مستدرك كما لا يخفى وللثاني انه لو كان نسخا للباقي في الجزء وللمشروط في الشرط لافتقر في وجوبهما إلى دليل غير الأول وانه باطل بالاتفاق وان المقتضى للكل كان متناولا للجزءين معا فخروج أحدهما لا يقتضى نسخ الآخر كسائر أدلة التخصيص وان الدليل المقتضى لثبوت الحكم السابق ثابت والدليل الثاني ليس مانعا لمثل
إشارات الأصول — صفحة 555
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٥٥٥