شايعة أصلا يتعين الحمل على العموم فإنه اما ان يحمل على فعل معين أو غير معين أو الجميع أو لا يحمل على شيء منها والأخير ظاهر بطلانه والأول ترجيح بلا مرجح والثاني يورث الاجمال وعراء الكلام عن الفائدة وفوات الغرض منه وتأخير البيان عن وقت الحاجة والبيان أولى من الاجمال للغلبة على أن الاضمار أكثر من الاجمال ألا ترى انهم اختلفوا في وجود المجمل ولم يختلفوا في وجود المبين ولا المضمر وتأخير البيان عن وقت الحاجة قبيح والمفروض عدمه ولو بضميمة الأصل بعد الفحص فتعين الثالث لتوقف البيان وعدم الاجمال وغيرهما عليه نعم لو امتنع الخلو في التحريم مع التساوي أو تساوى الضدين أو الاضداد في كونها مقصودة في الوجوب لكان الاجمال اظهر إلّا انه خارج عما كنا بصدده واستدل بالنبوى لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فحملوها وباعوها فدل على أن تحريم الشحوم أفاد تحريم كل أنواع التصرف والا لم يتوجه الذم عليهم في البيع وبان الصحابة والتابعين لم يزل يستدلون على التحريم ولو كانت مجملة لم يستدل بها على شيء كما هو شان المجمل وبان من استقراء كلام العرب علم أن مرادهم في مثله حيث يطلقونه انما هو تحريم الفعل المقصود من ذلك كالأكل في المأكول والشرب في المشروب واللبس في الملبوس والوطي في الموطوء فإذا قيل حرم عليكم لحم الخنزير أو الخمر أو الأمهات فهم ذلك سابقا إلى الفهم عرفا فهو متضح الدلالة وبان الذي يسبق الفهم من قول القائل هذا طعام حرام تحريم اكله ومن قوله هذه المرأة حرام تحريم وطئها ومبادرة الفهم دليل الحقيقة وبان المفهوم من قولنا فلان يملك الدار قدرته على التصرف فيها بالسكنى والبيع ومن قولنا ملك الجارية قدرته على التصرف فيها بالبيع والوطي والاستخدام وإذا جاز ان يختلف فائدة الملك ان يكون لزوم الاجتناب من البيع ونحوه نظرا إلى اجماله عن الأول بالضعف سندا ودلالة لاحتمال ان يكون لزوم الاجتناب من البيع ونحوه نظرا إلى اجماله فإنه على تقديره يلزم الاجتناب عن جميع ما يحتمله تحصيلا للبراءة عن التكليف الثابت باليقين وعن الثاني بان استدلال الصحابة والتابعين انما ينفع لو بلغ حد الاجماع ومعلوم انتفاؤه إذ التشاجر والخلاف معروف ومع ذلك أعم فان استدلالهم لعله كان في الفرد الشائع كالوطى في النساء والشرب في الخمر والاكل في الميتة وذلك لا ينافي الاجمال في غيره مما إذا كان له افراد متساوية في عدم الشيوع أو شيوع أكثر من واحد وبالجملة انما ينفع لو استدلوا بها على العموم ولم يظهر من المستدل ادعاؤه فإنه انما تمسك بمجرد الاستدلال وهو أعم للاحتمال المتقدم بل يحتمل ان يكون التمسك للاجمال كما مر على أنها ظاهرة فيما قلناه أولا وعن الثالث بكونه أخص فإنه لا يعم ما كان المقصود منه أكثر من فعل واحد وعن الرابع بمثل ما مر في الثالث إلّا انه اظهر فساد الجعل الدلالة فيه على وجه الحقيقة وستسمع ما فيه وعن الخامس بكونه قياسا ومع الفارق وللاجمال مط ان تحريم العين غير متصور فلا بد من اضمار فعل يصح كونه متعلقا له والافعال كثيرة ولا يمكن اضمار الجميع لان ما يقدر للضرورة يقدر بقدرها فتعين اضمار البعض ولا دليل على خصوصية شيء منها فدلالته على البعض المراد غير واضحة وهو معنى الاجمال
إشارات الأصول — صفحة 412
مساهمون: الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٤١٢