تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد العقول إلى مباحث الأصول — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
الجعل والإنشاء على وجه لا يمكن للحكيم إنشاء حكمين عن جدّ لمتعلّق واحد ، ويمتنع أن تتعلّق إرادته الجديّة بجعل حكم لمتعلّق وفي الوقت نفسه بجعل حكم آخر لنفس ذلك المتعلّق كما إذا أنشأ ثمن العذرة سحت ، ولا بأس ببيع العذرة ، فهذا هو التعارض المصطلح في باب التعادل والترجيح . وإن شئت قلت : التعارض عبارة عن تكاذب الدليلين في مقام الإنشاء بحيث يُكذِّب ، ويطارد كلّ الآخرَ في ذلك المقام من دون أن تصل النوبة إلى مقام الدلالة والفعلية والتنجّز ، سواء امتنع الامتثال بهما كما في المثال المتقدّم أو أمكن ، مثل ما إذا قال : الدعاء عند رؤية الهلال واجب ، وقال أيضاً : الدعاء عند رؤيته مستحب ، فانّ الامتثال لكلا الدليلين أمر ممكن ، بالدعاء عند رؤيته ، فانّه امتثال للوجوب والندب معاً ، لكن التكاذب موجود في مقام الإنشاء ولا يصحّ لحكيم أن يُنشئ ذينك الحكمين ، ولا تتعلّق إرادته الجدية بإنشاء كلّ منهما ، لأنّ لازم أحد الحكمين جواز الترك دون الحكم الآخر . وأمّا لو كان التنافي في مقام الامتثال مع كمال الملاءمة في مقام الجعل والدلالة والمدلول فهذا هو التزاحم ، مثلًا إذا قال المولى : أنقذ الأب ، وأنقذ العم ، ففوجئ بغرق كليهما ولم تكن له قدرة إلّا على إنقاذ أحدهما ، فالدليلان متلائمان في مقام الجعل ، إذ لا مانع من أن يكون إنقاذ كلّ بل وغيرهما واجباً ، وإنّما جاء التنافي عن طريق المصادفة حيث فوجئ بغرق كليهما معاً ، فلم يجد بدّاً من إنقاذ واحد وترك الآخر . فالتنافي ليس في مقام الجعل ولا في مقام المدلول ولا الدلالة وإنّما هو في رتبة رابعة وهي مقام الامتثال . وعلى هذا فعلاج المتزاحمين بالتصرّف في موضوع الحكم الفعلي بتعلّقه بالأهم دون المهمّ من دون تصرّف في مقام الجعل والمدلول والدلالة ، ولذلك لو
إرشاد العقول إلى مباحث الأصول — صفحة 441 | الشيخ جعفر السبحاني