تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إرشاد العقول إلى مباحث الأصول — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
قلت : إنّهم أقدموا على العمل بقوله غافلين عن فسقه ، ولولا الغفلة لما ركنوا إلى قوله . أقول : لا شكّ أنّ الجهالة تستعمل في معنى السفاهة ، لكنّها في الآية ليست بهذا المعنى ، بل هي فيها بمعنى عدم العلم بالواقع ضدّ التبيّن . أمّا الأوّل : فقد استعملت في قوله سبحانه : (
أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
) « 1 » وقال سبحانه : (
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
) « 2 » وقال سبحانه : (
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
) « 3 » . قال الراغب في المفردات : إنّ الجهل على ثلاثة أضرب : ثالثها فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يفعل . وأمّا الثاني : فلأنّ الظاهر انّ الجهالة في الآية في مقابل التبيّن ، الذي هو إمّا بمعنى العلم القطعي كما قلناه ، أو الاطمئنان ، ويكون المراد من مقابله أعني الجهالة ، ضدّهما ، لا مقابل الحكمة . الوجه الثالث : ما أجاب به المحقّق النائيني من أنّ المفهوم حاكم على التعليل ، لأنّ أقصى ما يدل عليه التعليل عدم جواز العمل بما وراء العلم ، والمفهوم يقتضي إلغاء احتمال الخلاف وجعل الخبر العادل محرِزاً للواقع وعلماً في مقابل التشريع ، فلا يعقل أن يقع التعارض بينهما ، لأنّ المحكوم لا يعارض الحكم ولو كان ظهوره أقوى . « 4 »
هامش
( 1 ) . الأنعام : 54 . ( 2 ) . النحل : 119 . ( 3 ) . النساء : 17 . ( 4 ) . فوائد الأُصول : 172 / 3 .