المعنى قبل الاستعمال كما ربما يتوهم .
والحاصل أنّه هناك استعمال بمعنى تصور المعنى ثم استعمال اللفظ فيه وهذا يشترك فيه الاخبار والانشاء والأمثلة النحوية غاية الأمر أنّ الداعي للاستعمال تارة هو التمثيل كما في الأخير وأخرى هو الحكاية عن الخارج وهي أمر قصدي من فعل النفس كما في الاخبار وثالثة ايجاد ما هو من سنخ ذلك المعنى الذي تصوره أوّلا كما في الانشاء ، فسبق انطباع سنخ المعنى المراد إنشائه في الذاكرة ببركة الصّور الحاصلة من الخارجيات في الحسّ المشترك وإن كان مما لا بدّ منه إذ بدونه لا يتمكن النفس من إنشاء ذلك المعنى ، لكنه مادة لانشاء النفس وخلقها المعنى لدى التلفظ بلفظه لا أنّ - اللفظ يستعمل فيه أوّلا ثم ببركة هذا الاستعمال تخلق النفس معنى من سنخه كما هو لازم القول بكون الانشاء من خصوصيات الاستعمال ، فالمنشأ جزئي حقيقي موسّع تارة ومضيّق أخرى ولذا يكون وجودا حقيقيا حدوثا واعتباريا بقاء ببقاء أهل الاعتبار أي العرف أو نافذ الاعتبار ، نعم بعد ما وجد بخلق النفس يقع في الذاكرة وربما يقع في وعاء العقل فينتزع منه الكلى وليس بين هذه المراتب المختلفة بعضها مع بعض منافاة لان النفس في وحدتها كل القوى .
وإذ عرفت في طي هذه المقدمة فساد تقريب تعليق السنخ بما في كلام المحققين ( قدس سرهما ) من كون الانشاء من خصوصيات الاستعمال فاعلم أنّ تعليق السنخ في الجمل الشرطية الانشائية بأي معنى أريد منه غير معقول ، أمّا بمعنى تعليق الكلى السّريانى كطبيعى الوجوب بلحاظ جميع أفراده في مثل إن جاءك زيد فأكرمه فلانّه إن كان في الخارج لكلى الوجوب فرد آخر منوط بشئ آخر غير قيد المجىء ولو بنحو الاعداد كصداقة زيد فتعليق الكلى بلحاظ جميع أفراده على هذا القيد يستلزم تعليق ما هو من قبيل معلول شيء على غير علته ، وإن لم يكن في الخارج له فرد آخر أصلا فالتعليق يستلزم تعليق المعدوم على الموجود واستحالة هذين الأمرين من أوليات العقول فالتعليق ممتنع على التقديرين ، وأمّا بمعنى تعليق الطبيعة المهملة فلانّ غمض العين عن الخصوصيات المكتنفة بالشيء كعروض الوجوب على الاكرام وتعلقه بزيد وتقيده بالمجىء في المثال لا يغيره عما هو عليه واقعا من كونه خاصا ولا يجعله عامّا
آراء حول مباحث الألفاظ في علم الأصول — صفحة 265
مساهمون: السيد علي الفاني الأصفهاني
ص٢٦٥