تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
في شيئين ، وإنما يتصوّر فيه التفاوت بالكثرة والقلّة والضعف والقوة ، نحو أن حمرة هذا الشيء أكثر وأشد من حمرة ذاك . وإذا تقرّرت هذه الجملة ، حصل من العلم بها أن التشبيه الحقيقي الأصلي هو الضرب الأول ، وأن هذا الضرب فرع له ومرتّب عليه . ويزيد ذلك بيانا : أنّ مدار التشبيه على أنه يقتضي ضربا من الاشتراك ، ومعلوم أن الاشتراك في نفس الصفة ، أسبق في التصوّر من الاشتراك في مقتضى الصفة كما أن الصفة نفسها مقدّمة في الوهم على مقتضاها ، فالحلاوة أوّلا ، ثم إنها تقتضي اللذّة في نفس الذائق لها . وإذا تأملنا متصرّف " 1 " تركيبه ، وجدناه يقتضي أن يكون الشيئان من الاتفاق والاشتراك في الوصف ، بحيث يجوز أن يتوهّم أن أحدهما الآخر . وهكذا تراه في العرف والمعقول ، فإنّ العقلاء يؤكّدون أبدا أمر المشابهة بأن يقولوا : " لا يمكنك أن تفرق بينهما " ، ولو رأيت هذا بعد أن رأيت ذاك لم تعلم أنك رأيت شيئا غير الأوّل ، حتى تستدلّ بأمر خارج عن الصّورة . ومعلوم أن هذه القضية إنما توجد على الإطلاق والوجود الحقيقي في الضرب الأول وأمّا الضرب الثاني ، فإنما يجيء فيه على سبيل التقدير والتنزيل ، فأما أن لا تجد فصلا بين ما يقتضيه العسل في نفس الذائق ، وما يحصل باللفظ المرضيّ والكلام المقبول في نفس السامع ، فما لا يمكن ادّعاؤه إلّا على نوع من المقاربة أو المجازفة ، فأمّا على التحقيق والقطع فلا . فالمشابهات المتأوّلة التي ينتزعها العقل من الشيء للشيء ، لا تكون في حدّ المشابهات الأصلية الظاهرة ، بل الشبه العقلي كأنّ الشيء " 2 " به يكون شبيها بالمشبّه .

فصل

ثم إن هذا الشبه العقلي ربما انتزع من شيء واحد ، كما مضى انتزاع الشّبه للفظ من حلاوة العسل وربما انتزع من عدّة أمور يجمع بعضها إلى بعض ، ثم يستخرج من مجموعها الشبه ، فيكون سبيله سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر ، حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الإفراد ، لا سبيل الشيئين يجمع بينهما وتحفظ صورتهما .
هامش
( 1 ) وفي نسخة : منصرف بالنون . ( 2 ) وفي نسخة " كاد الشيء " بدل كان الشيء .