تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
وسكت عنه ، وترك غيظه يتردّد فيه بالنار التي لا تمدّ بالحطب حتى يأكل بعضها بعضا ، مما حاجته إلى التأوّل ظاهرة بيّنة . فقد تبيّن بهذه الجملة وجه الفرق بين " التشبيه " ، و " التمثيل " . وفي تتبّع ما أجملت من أمرهما ، وسلوك طريق التحقيق فيهما ، ضرب من القول ينشط له من يأنس بالحقائق .

فصل

اعلم أن الذي أوجب أن يكون في التشبيه هذا الانقسام ، أنّ الاشتراك في الصفة يقع مرّة في نفسها وحقيقة جنسها ، ومرة في حكم لها ومقتضى . فالخدّ يشارك الورد في الحمرة نفسها وتجدها في الموضعين بحقيقتها واللفظ يشارك العسل في الحلاوة ، لا من حيث جنسه ، بل من جهة حكم وأمر يقتضيه ، وهو ما يجده الذائق في نفسه من اللّذّة ، والحالة التي تحصل في النفس إذا صادفت بحاسّة الذّوق ما يميل إليه الطبع ويقع منه بالموافقة ، فلمّا كان كذلك ، احتيج لا محالة إذا شبّه بالعسل في الحلاوة أن يبيّن أنّ هذا التشبيه ليس من جهة الحلاوة نفسها وجنسها ، ولكن من مقتضى لها ، وصفة تتجدّد في النفس بسببها ، وأنّ القصد أن يخبر بأنّ السامع يجد عند وقوع هذا اللفظ في سمعه حالة في نفسه ، شبيهة بالحالة التي يجدها الذائق للحلاوة من العسل ، حتى لو تمثّلت الحالتان للعيون ، لكانتا تريان على صورة واحدة ، ولوجدتا من التناسب على حدّ الحمرة من الخدّ ، والحمرة من الورد . وليس هاهنا عبارة أخصّ بهذا البيان من " التأوّل " ، لأن حقيقة قولنا : " تأوّلت الشيء " ، أنك تطلّبت ما يؤول إليه من الحقيقة ، أو الموضع الذي يؤول إليه من العقل ، لأن " أوّلت وتأوّلت " فعّلت وتفعّلت من " آل الأمر إلى كذا يؤول " ، إذا انتهى إليه ، و " المآل " ، المرجع وليس قول من جعل " أوّلت وتأوّلت " من " أوّل " بشيء ، لأن ما فاؤه وعينه من وضع واحد " ككوكب " و " ددن " لا يصرّف منه فعل ، و " أوّل " " أفعل " بدلالة قولنا : " أوّل منه " ، كقولنا : " أسبق منه وأقدم " . فالواو الأولى فاء والثانية عين وليس هذا موضع الكلام في ذلك فيستقصى . وأما الضرب الأول ، فإذا كان المثبت من الشبه في الفرع من جنس المثبت في الأصل ، كان أصلا بنفسه ، وكان ظاهر أمره وباطنه واحدا ، وكان حاصل جمعك بين الورد والخد ، أنك وجدت في هذا وذاك حمرة ، والجنس لا تتغير حقيقته بأن يوجد
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 75 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني