تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
" يحلو " ، ولم يسبق ذكر " يمرّ " ، وجدت المعنى في تشبيهك له بالماء في الصّفاء وبالعسل في الحلاوة بحاله وعلى حقيقته . وليس كذلك الأمر في الآية لأنك لو قلت : " كالحمار يحمل أسفارا " ، ولم تعتبر أن يكون جهل الحمار مقرونا بحمله ، وأن يكون متعدّيا إلى ما تعدّى إليه الحمل ، لم يتحصل لك المغزى منه . وكذلك لو قلت : " هم كالحمار في أنه يجهل الأسفار " ، ولم تشرط أن يكون حمله الأسفار مقرونا بجهله لها لكان كذلك . وكذلك لو ذكرت الحمل والجهل مطلقين ، ولم تجعل لهما المفعول المخصوص الذي هو الأسفار ، فقلت : " هو كالحمار في أنه يحمل ويجهل " ، وقعت من التشبيه المقصود في الآية بأبعد البعد ، والنكتة أن التشبيه بالحمل للأسفار ، إنما كان بشرط أن يقترن به الجهل ، ولم يكن الوصف بالصّفاء والتشبيه بالماء فيه بشرط أن يقترن به الكدر ، ولذلك لو قلت : " يصفو ولا يكدر " لم تزد في صميم التشبيه وحقيقته شيئا ، وإنما استدمت الصّفة كقولك : " يصفو أبدا وعلى كل حال " .

فصل

اعلم أن الشّبه إذا انتزع من الوصف لم يخل من وجهين : أحدهما : أن يكون لأمر يرجع إلى نفسه . والآخر : أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه . فالأوّل : ما مضى في نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة ، وذلك أنّ وجه التشبيه هناك أنّ كل واحد منهما يوجب في النفس لذّة وحالة محمودة ، ويصادف منها قبولا . وهذا حكم واجب للحلاوة من حيث هي حلاوة ، أو للعسل من حيث هو عسل . وأما الثاني : وهو ما ينتزع منه الشبه لأمر لا يرجع إلى نفسه ، فمثاله أن يتعدّى الفعل إلى شيء مخصوص يكون له من أجله حكم خاصّ ، نحو كونه واقعا في موقعه وعلى الصواب ، أو واقعا غير موقعه ، كقولهم : " هو كالقابض على الماء " و " الراقم في الماء " ، فالشبه هاهنا منتزع ممّا بين القبض والماء ، وليس بمنزع من القبض نفسه ، وذلك أن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيها ، فإذا كان الشيء مما لا يتماسك ، ففعلك القبض في اليد لغو وكذلك القصد في " الرّقم " أن يبقى أثر في الشيء ، وإذا فعلته فيما لا يقبله ، كان فعلك كلا فعل وكذلك قولهم : " يضرب في حديد بارد " وينفخ في غير فحم " .