ومثال ذلك قوله عزّ وجلّ :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] ، الشبه منتزع من أحوال الحمار ، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودع ثمر العقول ، ثم لا يحسّ بما فيها ولا يشعر بمضمونها ، ولا يفرّق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء ، ولا من الدّلالة عليه بسبيل ، فليس له مما يحمل حظّ سوى أنه يثقل عليه ، ويكدّ جنبيه فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعة ، ونتيجة لأشياء ألّفت وقرن بعضها إلى بعض .
بيان ذلك : أنه احتيج إلى أن يراعى من الحمار فعل مخصوص ، وهو الحمل ، وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا ، وهو الأسفار التي فيها أمارات تدلّ على العلوم ، وأن يثلّث ذلك بجهل الحمار ما فيها ، حتى يحصل الشبه المقصود . ثم إنه لا يحصل من كل واحد من هذه الأمور على الانفراد ، ولا يتصوّر أن يقال إنه تشبيه بعد تشبيه ، من غير أن يقف الأول على الثّاني ، ويدخل الثاني في الأول ، لأن الشّبه لا يتعلق بالحمل حتى يكون من الحمار ، ثم لا يتعلق أيضا بحمل الحمار حتى يكون المحمول الأسفار ، ثم لا يتعلق بهذا كله حتى يقترن به جهل الحمار بالأسفار المحمولة على ظهره فما لم تجعله كالخيط الممدود ، ولم يمزج حتى يكون القياس قياس أشياء يبالغ في مزاجها حتى تتحد وتخرج عن أن تعرف صورة كلّ واحد منها على الانفراد ، بل تبطل صورها المفردة التي كانت قبل المزاج ، وتحدث صورة خاصة غير اللواتي عهدت ، ويحصل مذاقها " 1 " حتى لو فرضت حصولها لك في تلك الأشياء من غير امتزاج ، فرضت ما لا يكون لم يتمّ المقصود ، ولم تحصل النتيجة المطلوبة ، وهي الذمّ بالشقاء في شيء يتعلق به غرض جليل وفائدة شريفة ، مع حرمان ذلك الغرض وعدم الوصول إلى تلك الفائدة ، واستصحاب ما يتضمن المنافع العظيمة والنعم الخطيرة ، من غير أن يكون ذلك الاستصحاب سببا إلى نيل شيء من تلك المنافع والنّعم .
ومثال ما يجيء فيه التشبيه معقودا على أمرين إلا أنهما لا يتشابكان هذا التشابك قولهم : " هو يصفو ويكدر " و " يمرّ ويحلو " و " يشجّ ويأسو " ، و " يسرح ويلجم " ، لأنك وإن كنت أردت أن تجمع له الصّفتين ، فليست إحداهما ممتزجة بالأخرى ، لأنك لو قلت : " هو يصفو " ، ولم تتعرض لذكر " الكدر " أو قلت :
هامش
( 1 ) وفي نسخة : تحصل بذاتها .