تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
وإذا ثبت هذا ، فكل شبه كان هذا سبيله ، فإنك لا تجد بين المعنى المذكور وبين المشبّه إذا أفردته ، ملابسة البتة . ألا تراك تضرب الرّقم في الماء والقبض عليه ، لأمور لا شبه بينهما وبينها البتة ، من حيث هما رقم وقبض ؟ . وإذا قد عرفت هذا فالحمل في الآية من هذا القبيل أيضا ، لأنه تضمّن الشّبه من اليهود ، لا لأمر يرجع إلى حقيقة الحمل ، بل لأمرين آخرين : أحدهما تعدّيه إلى الأسفار ، والآخر اقتران الجهل للأسفار به . وإذا كان الأمر كذلك ، كان قطعك الحمل عن هذين الأمرين في البعد من الغرض ، كقطعك القبض والرّقم عن الماء ، في استحالة أن يعقل منها ما يعقل بعد تعدّيهما إلى الماء بوجه من الوجوه ، فاعرفه . فإن قلت : ففي اليهود شبه من الحمل ، من حيث هو حمل على حال . وذلك أن الحافظ للشيء بقلبه ، يشبه الحامل للشيء على ظهره ، وعلى ذلك يقال : " حملة الحديث " ، و " حملة العلم " كما جاء في الأثر : " يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله " " 1 " ، و " ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه " . فالجواب : أن الأمر وإن كان كذلك ، فإنّ هذا الشبه لم يقصدها هنا وإنما قصد ما يوجبه تعدّي الحمل إلى الأسفار ، مع اقتران الجهل بها به ، وهو العناء بلا منفعة . يبيّن ذلك : أنك قد تقول للرجل يحمل في كمّه أبدا دفاتر علم ، وهو بليد لا يفهم ، أو كسلان لا يتعلم : " إن كان يحمل كتب العلم فالحمار أيضا قد يحمل " ، تريد أن تبطل دعواه أن له في حمله فائدة ، وأن تسوّي بينه وبين الحمار في فقد الفائدة مما يحمل . فالحمل هاهنا نفسه موجود في المشبّه بالحمار ، ثم التشبيه لا ينصرف إليه من حيث هو حمل ، وإنما ينصرف إلى ما ذكرت لك من عدم الجدوى والفائدة . وإنما يتصوّر أن يكون الشّبه راجعا إلى الحمل من حيث هو حمل ، حيث يوصف الرجل مثلا بكثرة الحفظ للوظائف ، أو جهد النفس في الأشغال المتراكمة ، وذلك خارج عن الغرض مما نحن فيه .
هامش
( 1 ) هذا الحديث وما بعده حديث آخر . أما الأول فقد رواه ابن منده وغيره مرفوعا من حديث إبراهيم ابن عبد الرحمن العذري وهو مختلف في صحبته ولفظه " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " والبيهقي في المدخل مرسلا وضعفه الكثيرون ، وروي عن أحمد تصحيحه ، وكتب شيخنا على حاشية نسخته : قال القعنبي : سمعت رجلا يحدث مالكا هذا الحديث فأعجبه . والخلف بالتحريك والسكون : كل من يجيء بعد من سبقه ، إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر ، وأما الآخر فهو من ضمن حديث رواه الترمذي والضياء عن زيد بن ثابت بسند صحيح . ( رشيد ) .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 79 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني