اللسان من أجلهما " 1 " ، فصارت لذلك كالماء الذي يسوغ في الحلق ، والنسيم يسري في البدن ، ويتخلّل المسالك اللطيفة منه ، ويهدي إلى القلب روحا ، ويوجد في الصدر انشراحا ، ويفيد النفس نشاطا ، وكالعسل الذي يلذّ طعمه ، وتهشّ النفس له ، ويميل الطبع إليه ، ويحبّ وروده عليه ، فهذا كله تأوّل ، وردّ شيء إلى شيء بضرب من التلطف ، وهو أدخل قليلا في حقيقة التأوّل ، وأقوى حالا في الحاجة إليه ، من تشبيه الحجّة بالشمس .
وأما ما تقوى فيه الحاجة إلى التأوّل حتى لا يعرف المقصود من التشبيه فيه ببديهة السماع ، فنحو قول كعب الأشقريّ ، وقد أوفده المهلّب على الحجّاج ، فوصف له بنيه وذكر مكانهم من الفضل والبأس ، فسأله في آخر القصّة قال : " فكيف كان بنو المهلب فيهم " 2 " ؟ قال : كانوا حماة السرح نهارا ، فإذا أليلوا ففرسان البيات " 3 " ، قال :
فأيّهم كان أنجد ؟ قال : كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها " " 4 " .
فهذا كما ترى ظاهر الأمر في فقره إلى فضل الرّفق به والنظر . ألا ترى أنه لا يفهمه حقّ فهمه إلا من له ذهن ونظر يرتفع به عن طبقة العامّة ؟ وليس كذلك تشبيه الحجّة بالشمس ، فإنه كالمشترك البيّن الاشتراك ، حتى يستوي في معرفته ، اللبيب واليقظ والمضعوف المغفّل ، وهكذا تشبيه الألفاظ بما ذكرت ، قد تجده في كلام العامي .
فأمّا ما كان مذهبه في اللّطف مذهب قوله : " هم كالحلقة " ، فلا تراه إلا في الآداب والحكم المأثورة عن الفضلاء وذوي العقول الكاملة .
هامش
( 1 ) الكد : الإتعاب . ويقال : كد لسانه تجوزا كما في الأساس .
( 2 ) أي : في القوم المحاربين .
( 3 ) السرح : المال السائم من الأنعام . وأليلوا ( كأكرموا ) دخلوا في الليل والبيات الهجوم على العدو ليلا . قال شيخنا أي : يقظون لا يطرقهم طارق إلا كانوا على صهوات خير لهم لملاقاته وأنهم يتبعون العدو ليلا فيفجعونه اه . ( رشيد ) .
( 4 ) هذا المثل من كلام فاطمة بنت الخرشب ( بضم فسكون فضم ) الأنمارية إحدى المنجبات في الجاهلية وهي أم الكملة من بني عبس الربيع وعمارة وأنس الفوارس وإخوتهم . سألها أبو سفيان حين قدمت عليه مكة حاجة في الجاهلية " أي بنيك أفضل ؟ " فقالت : الربيع لا بل عمارة لا بل أنس الفوارس ، ثكلتهم إن كنت أدري أيهم أفضل ، هم كالحلقة المفرغة إلخ . فقد أخذه كعب الأشقري ووصف به بني المهلب . ( رشيد ) .