تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
واعلم أني ذكرت لك في تمثيل هذه الأصول الواضح الظاهر القريب المتناول الكائن من قبيل المتعارف في كل لسان ، وما تجد اعترافا به وموافقة عليه من كل إنسان ، أو ما يشابه هذا الحدّ ويشاكله ، ويداخل هذا الضّرب ويشاركه ، ولم أذكر ما يدقّ ويغمض ، ويلطف ويغرب ، وما هو من الأسرار التي أثارتها الصنعة ، وغاصت عليها فكرة الأفراد من ذوي البراعة في الشّعر ، لأن القصد إذا كان لتمهيد الأساس ، ووضع قواعد القياس ، كان الأولى أن يعمد إلى ما هو أظهر وأجلى من الأمثلة ، لتكون الحجة بها عامّة لا يصرف وجهها بحال ، والشهادة تامة لا تجد من السامعين غير قبول وإقبال ، حتى إذا تمهّدت القواعد ، وأحكمت العرى والمعاقد ، أخذ حينئذ في تتبّع ما اخترعته القرائح ، وعمد إلى حل المشكلات عن ثقة بأن هيّئت المفاتح ، هذا وفي الاستعارة بعد من جهة القوانين والأصول ، شغل للفكر ، ومذهب للقول ، وخفايا ولطائف تبرز من حجبها بالرّفق والتدريج والتلطّف والتأنّي . ولكني أظنّ أنّ الصواب أن أنقل الكلام إلى القول على التشبيه والتمثيل وحقيقتهما والمراد منهما ، خصوصا في كلام من يتكلم على الشعر ، ونتعرّف أهما متساويان في المعنى ، أو مختلفان ، أم جنسهما واحد ، إلا أن أحدهما أخصّ من الآخر ؟ وأنا أضع لك جملة من القول تبين بها هذه الأمور .

التشبيه والتمثيل أقسام التشبيه

اعلم أن الشيئين إذا شبّه أحدهما بالآخر كان ذلك على ضربين : أحدهما : أن يكون من جهة أمر بيّن لا يحتاج إلى تأوّل . والثاني : أن يكون الشبه محصّلا بضرب من التأوّل . فمثال الأول : تشبيه الشيء بالشيء من جهة الصّورة والشكل ، نحو أن يشبّه الشيء إذا استدار بالكرة في وجه ، وبالحلقة في وجه آخر وكالتشبيه من جهة اللّون ، كتشبيه الخدود بالورد ، والشعر بالليل ، والوجه بالنهار ، وتشبيه سقط النار " 1 " بعين الديك ، وما جرى في هذا الطريق أو جمع الصّورة واللون معا ، كتشبيه الثّريّا بعنقود
هامش
( 1 ) السقط - مثلثة والكسر أشهر - ما يسقط بين الزندين عقد القدح ، وزاد بعضهم : قبل استحكام الورى ، وهو القدح .