تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
تأوّل يجري في مشابهة الخدّ للورد في الحمرة ، وأنت تراها هاهنا كما تراها هناك ؟ وكذلك تعلم الشّجاعة في الأسد كما تعلمها في الرجل . ومثال الثاني : وهو أشبه الذي يحصل بضرب من التأوّل ، كقولك : " هذه حجّة كالشمس في الظهور " ، وقد شبّهت الحجة بالشمس من جهة ظهورها ، كما شبّهت فيما مضى الشيء بالشيء من جهة ما أردت من لون أو صورة أو غيرهما . إلا أنك تعلم أن هذا التشبيه لا يتمّ لك إلا بتأوّل ، وذلك أن تقول : حقيقة ظهور الشمس وغيرها من الأجسام أن لا يكون دونها حجاب ونحوه ، مما يحول بين العين وبين رؤيتها ، ولذلك يظهر الشيء لك إذا لم يكن بينك وبينه حجاب ، ولا يظهر لك إذا كنت من وراء حجاب . ثم تقول : إن الشبهة نظير الحجاب فيما يدرك بالعقول ، لأنها تمنع القلب رؤية ما هي شبهة فيه ، كما يمنع الحجاب العين أن ترى ما هو من ورائه . ولذلك توصف الشبهة بأنها اعترضت دون الذي يروم القلب إدراكه ، ويصرف فكره للوصول إليه من صحّة حكم أو فساده . فإذا ارتفعت الشبهة وحصل العلم بمعنى الكلام الذي هو الحجّة على صحّة ما ادّعي من الحكم قيل : " هذا ظاهر كالشمس " ، أي ليس هاهنا مانع عن العلم به ، لا للتوقف والشكّ فيه مساغ ، وأنّ المنكر له إمّا مدخول في عقله أو جاحد مباهت ، ومسرف في العناد ، كما أن الشمس الطالعة لا يشكّ فيها ذو بصر ، ولا ينكرها إلّا من لا عذر له في إنكاره . فقد احتجت في تحصيل الشبه الذي أثبته بين الحجّة والشمس إلى مثل هذا التأوّل كما ترى . ثم إنّ ما طريقه التأوّل يتفاوت تفاوتا شديدا ، فمنه ما يقرب مأخذه ويسهل الوصول إليه ، ويعطى المقادة طوعا ، حتى إنه يكاد يداخل الضرب الأول الذي ليس من التأول في شيء ، وهو ما ذكرته لك ومنه ما يحتاج فيه إلى قدر من التأمّل ، ومنه ما يدقّ ويغمض حتى يحتاج في استخراجه إلى فضل رويّة ولطف فكرة . فمما يشبه الذي بدأت به في قرب المأخذ وسهولة المأتى ، قوله في صفة الكلام : " ألفاظه كالماء في السلاسة " ، و " كالنسيم في الرّقة " ، و " كالعسل في الحلاوة " ، يريدون أن اللفظ لا يستغلق ولا يشتبه معناه ولا يصعب الوقوف عليه ، وليس هو بغريب وحشيّ يستكره ، لكونه غير مألوف ، أوليس في حروفه تكرير وتنافر يكدّ
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 71 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني