تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
قلت : " فعل الحيّ القادر " ، أنك لم تتجوّز ، وأنك واضع قدمك على محض الحقيقة ، كذلك ينبغي أن يكون هو الدالّ والمقتضى ، إذا قلت : " فعل الربيع " ، أنك قد تجوّزت وزلت عن الحقيقة ، فاعرفه . فإن قال قائل : كان سياق هذا الكلام وتقريره يقتضي أنّ طريق المجاز كلّه العقل ، وأن لا حظّ للّغة فيه ، وذاك أنّا لا نجري اسم الأسد على المشبّه بالأسد ، حتى ندّعي له الأسدية ، وحتى نوهم أنه حين أعطاك من البسالة والبأس والبطش ، ما تجده عند الأسد ، صار كأنه واحد من الأسود قد استبدل بصورته صورة الإنسان ، وقد قدّمت أنت فيما مضى ما بيّن أنك لا تتجوّز في إجراء اسم المشبّه به على المشبّه ، حتى تخيّل إلى نفسك أنه هو بعينه فإذا كان الأمر كذلك فأنت في قولك : " رأيت أسدا " ، متجوّز من طريق المعقول ، كما أنك كذلك في " فعل الربيع " . وإذا كان كذلك ، عاد الحديث إلى أنّ المجاز فيهما جميعا عقليّ ، فكيف قسّمته قسمين لغويّ وعقلي ؟ فالجواب : أنّ هذا الذي زعمت - من أنك لا تجري اسم المشبّه به على المشبّه حتى تدّعي أنه قد صار من ذلك الجنس ، نحو أن تجعل الرجل كأنه في حقيقة الأسد صحيح كما زعمت ، لا يدفعه أحد . كيف السبيل إلى دفعه ، وعليه المعوّل في كونه التشبيه على حدّ المبالغة ، وهو الفرق بين الاستعارة وبين التشبيه المرسل ؟ إلّا أن هاهنا نكتة أخرى قد أغفلتها ، وهي أنّ تجوّزك هذا الذي طريقه العقل ، يفضي بك إلى أن تجري الاسم على شيء لم يوضع له في اللغة على كل حال ، فتجوز بالاسم على الجملة الشيء الذي وضع له ، فمن هاهنا جعلنا اللغة طريقا فيه . فإن قلت : لا أسلّم أنه جرى على شيء لم يوضع له في اللغة ، لأنك إذا قلت : " لا تجريه على الرجل حتى تدّعي له أنه في معنى الأسد " ، لم تكن قد أجريته على ما لم يوضع له ، وإنما كان يكون جاريا على غير ما وضع له ، أن لو كنت أجريته على شيء لتفيد به معنى غير الأسدية . وذلك ما لا يعقل ، لأنك لا تفيد بالأسد في التشبيه أنه رجل مثلا ، أو عاقل ، أو على وصف لم يوضع هذا الاسم للدلالة عليه البتة . قيل لك : قصارى حديثك هذا أنّا أجرينا اسم الأسد على الرجل المشبّه بالأسد على طريق التأويل والتخييل ، أفليس على كل حال قد أجريناه على ما ليس بأسد على الحقيقة ؟ وألسنا قد جعلنا له مذهبا لم يكن له في أصل الوضع ؟ وهبنا قد ادّعينا للرجل الأسدية حتى استحق بذلك أن نجري عليه اسم الأسد ،