تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
أترانا نتجاوز في هذه الدعوى حديث الشجاعة ، حتى ندّعي للرجل صورة الأسد وهيئته وعبالة عنقه ومخالبه ، وسائر أوصافه الظاهرة البادية للعيون ؟ ولئن كانت الشجاعة من أخصّ أوصاف الأسد وأمكنها ، فإن اللغة لم تضع الاسم لها وحدها ، بل لها في مثل تلك الجثّة وهاتيك الصورة والهيئة وتلك الأنياب والمخالب ، إلى سائر ما يعلم من الصورة الخاصّة في جوارحه كلّها . ولو كانت وضعته لتلك الشجاعة التي تعرفها وحدها ، لكان صفة لا اسما ، ولكان كل شيء يفضي في شجاعته إلى ذلك الحدّ مستحقّا للاسم استحقاقا حقيقيّا ، لا على طريق التشبيه والتأويل . وإذا كان كذلك ، فإنّا وإن كنّا لم ندلّ به على معنى لم يتضمّنه اسم الأسد في أصل وضعه ، فقد سلبناه بعض ما وضع له ، وجعلناه للمعاني التي هي باطنة في الأسد وغريزة وطبع به وخلق ، مجرّدة عن المعاني الظاهرة التي هي جثّة وهيئة وخلق ، وفي ذلك كفاية في إزالته عن أصل وقع له في اللغة ، ونقله عن حدّ جريه فيه إلى حدّ آخر مخالف له . وليس في " فعل " ، إذا تجوّز فيه شيء من ذلك ، لأنّا لم نسلبه لا بالتأويل ولا غير التأويل شيئا وضعته اللغة له ، لأنه كما ذكرت غير مرّة : لإثبات الفعل للشيء من غير أن يتعرّض لذلك الشيء ما هو ، أو هو مستحقّ لأن يثبت له الفعل أو غير مستحق . وإذا كان كذلك ، كان الذي أرادت اللغة به موجودا فيه ثابتا له في قولك : " فعل الربيع " ، ثبوته إذا قلت : " فعل الحيّ القادر " ، لم يتغيّر له صورة ، ولم ينقص منه شيء ، ولم يزل عن حدّ إلى حدّ ، فاعرفه . فإن قلت : قد علمنا أنّ طريق المجاز ينقسم إلى ما ذكرت من اللغة والمعقول ، وأنّ " فعل " في نحو : " فعل الربيع " ، مما طريقه المعقول ، وأنّ نحو : " الأسد " إذا قصد به التشبيه ، واستعير لغير السبع ، طريق مجازه اللغة ، وبقي أن نعلم لم خصّصت المجاز - إذا كان طريقه العقل - بأن توصف به الجملة من الكلام دون الكلمة الواحدة . وهلّا جوّزت أن يكون " فعل " على الانفراد موصوفا به ؟ فإنّ سبب ذلك أن المعنى الذي له وضع " فعل " لا يتصوّر الحكم عليه بمجاز أو حقيقة حتى يسند إلى الاسم ، وهكذا كل مثال من أمثلة الفعل ، لأنه موضوع لإثبات الفعل للشيء ، فما لم نبيّن ذلك الشيء الذي نثبته له ونذكره ، لم يعقل أنّ الإثبات واقع موقعه الذي نجده مرسوما به في صحف العقول ، أم قد زال عنه وجازه إلى غيره .