هذا ، وقولك : هلّا جوّزت أن يكون " فعل " على الانفراد موصوفا به ، محال ، بعد أن نثبت أن لا مجاز في دلالة اللفظ ، وإنما المجاز في أمر خارج عنه .
فإن قلت : أردت : هلّا جوّزت أن ينسب المجاز إلى معناه وحده ، وهو إثبات الفعل فيقال : " هو إثبات فعل على سبيل المجاز " ؟
فإنّ ذلك لا يتأتّى أيضا إلا بعد ذكر الفاعل ، لأن المجاز أو الحقيقة ، إنما يظهر ويتصوّر من المثبت والمثبت له والإثبات ، وإثبات الفعل من غير أن يقيّد بما وقع الإثبات له ، لا يصحّ الحكم عليه بمجاز أو حقيقة ، فلا يمكنك أن تقول : " إثبات الفعل مجاز أو حقيقة " هكذا مرسلا ، إنما تقول : " إثبات الفعل للربيع مجاز ، وإثباته للحيّ القادر حقيقة " .
وإذا كان الأمر كذلك علمت أن لا سبيل إلى الحكم بأنّ هاهنا مجازا أو حقيقة من طريق العقل ، إلا في جملة من الكلام . وكيف يتصوّر خلاف ذلك ؟ ووزان الحقيقة والمجاز العقليين ، وزان الصدق والكذب ، فكما يستحيل وصف الكلم المفردة بالصدق والكذب ، وأن يجرى ذلك في معانيها مفرّقة غير مؤلّفة ، فيقال :
" رجل - على الانفراد - كذب أو صدق " ، كذلك يستحيل أن يكون هاهنا حكم بالمجاز أو الحقيقة ، وأنت تنحو نحو العقل إلا في الجملة المفيدة . فاعرفه أصلا كبيرا واللّه الموفق للصواب ، والمسؤول أن يعصم من الزّلل بمنّه وفضله .
فصل في الحذف والزيادة ، وهل هما من المجاز أم لا
واعلم أن الكلمة كما توصف بالمجاز ، لنقلك لها عن معناها ، كما مضى ، فقد توصف به لنقلها عن حكم كان لها ، إلى حكم ليس هو بحقيقة فيها .
ومثال ذلك : أن المضاف إليه يكتسي إعراب المضاف في نحو :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] ، والأصل : " واسأل أهل القرية " ، فالحكم الذي يجب للقرية في الأصل وعلى الحقيقة هو الجرّ ، والنصب فيها مجاز . وهكذا قولهم : " بنو فلان تطؤهم الطريق " ، يريدون أهل الطريق ، الرّفع في " الطريق " مجاز ، لأنه منقول إليه عن المضاف المحذوف الذي هو " الأهل " ، والذي يستحقّه في أصله هو الجرّ .
ولا ينبغي أن يقال : " إن وجه المجاز في هذا ، الحذف " ، فإن الحذف إذا تجرّد