تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
عن تغيير حكم من أحكام ما بقي بعد الحذف لم يسمّ مجازا . ألا ترى أنك تقول : " زيد منطلق وعمرو " ، فتحذف الخبر ، ثم لا توصف جملة الكلام من أجل ذلك بأنه مجاز ؟ وذلك لأنه لم يؤدّ إلى تغيير حكم فيما بقي من الكلام . ويزيده تقريرا : أن المجاز إذا كان معناه : " أن تجوز بالشيء موضعه وأصله " ، فالحذف بمجرّده لا يستحقّ الوصف به ، لأنّ ترك الذكر وإسقاط الكلمة من الكلام ، لا يكون نقلا لها عن أصلها ، إنما يتصوّر النقل فيما دخل تحت النطق . وإذا امتنع أن يوصف المحذوف بالمجاز ، بقي القول فيما لم يحذف . وما لم يحذف ودخل تحت الذكر ، لا يزول عن أصله ومكانه حتى يغيّر حكم من أحكامه أو يغيّر عن معانيه ، فأما وهو على حاله ، والمحذوف مذكور ، فتوهّم ذلك فيه من أبعد المحال ، فاعرفه . وإذا صحّ امتناع أن يكون مجرّد الحذف مجازا ، أو تحقّ صفة باقي الكلام بالمجاز ، من أجل حذف كان على الإطلاق ، دون أن يحدث هناك بسبب ذلك الحذف تغيّر حكم على وجه من الوجوه علمت منه أنّ الزيادة في هذه القضية كالحذف ، فلا يجوز أن يقال إن زيادة " ما " في نحو :
فَبِما رَحْمَةٍ
[ آل عمران : 159 ] مجاز ، أو أن جملة الكلام تصير مجازا من أجل زيادته فيه . وذلك أنّ حقيقة الزيادة في الكلمة أن تعرى من معناها ، وتذكر ولا فائدة لها سوى الصّلة ، ويكون سقوطها وثبوتها سواء . ومحال أن يكون ذلك مجازا ، لأن المجاز أن يراد بالكلمة غير ما وضعت له في الأصل أو يزاد فيه أو يوهم شيء ليس من شأنه ، كإيهامك بظاهر النّصب في " القرية " أن السؤال واقع عليها . والزائد الذي سقوطه كثبوته لا يتصوّر فيه ذلك . فأما غير الزائد من أجزاء الكلام الذي زيد فيه ، فيجب أن ينظر فيه ، فإن حدث هناك بسبب ذلك الزائد حكم تزول به الكلمة عن أصلها ، جاز حينئذ أن يوصف ذلك الحكم ، أو ما وقع فيه ، بأنه مجاز ، كقولك في نحو قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] : إن الجرّ في " المثل " مجاز ، لأن أصله النصب ، والجرّ حكم عرض من أجل زيادة " الكاف " ، ولو كانوا إذ جعلوا " الكاف " مزيدة لم يعملوها ، لما كان لحديث المجاز سبيل على هذا الكلام . ويزيده وضوحا أن الزيادة على الإطلاق لو كانت تستحق الوصف بأنها مجاز ، لكان ينبغي أن يكون كل ما ليس بمزيد من الكلم مستحقّا الوصف بأنه حقيقة ، حتى يكون " الأسد " في قولك : " رأيت أسدا " وأنت تريد رجلا ، حقيقة .