تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
لزيد باللغة ، ولا " اضرب " أمرا للرجل الذي تخاطبه وتقبل عليه من بين كل من يصحّ خطابه باللغة ، بل بك أيّها المتكلم . فالذي يعود إلى واضع اللغة ، أنّ " ضرب " لإثبات الضرب ، وليس لإثبات الخروج ، وأنه لإثباته في زمان ماض ، وليس لإثباته في زمان مستقبل . فأمّا تعيين من يثبت له ، فيتعلّق بمن أراد ذلك من المخبرين بالأمور ، والمعبّرين عن ودائع الصّدور ، والكاشفين عن المقاصد والدّعاوى ، صادقة كانت تلك الدعاوى أو كاذبة ومجراة على صحتها ، أو مزالة عن مكانها من الحقيقة وجهتها ومطلقة بحسب ما تأذن فيه العقول وترسمه أو معدولا بها عن مراسمها نظما لها في سلك التّخييل ، وسلوكا بها في مذهب التأويل . فإذا قلنا مثلا : " خطّ أحسن مما وشّاه الربيع " أو " صنعه الربيع " ، وكنّا قد ادعينا في ظاهر اللفظ أن للربيع فعلا أو صنعا ، وأنه شارك الحيّ القادر في صحّة الفعل منه . وذلك تجوّز من حيث المعقول لا من حيث اللغة ، لأنه إن قلنا : " إنه مجاز من حيث اللغة " ، صرنا كأنّا نقول : إن اللغة هي التي أوجبت أن يختصّ الفعل بالحيّ القادر دون الجماد ، وإنها لو حكمت بأنّ الجماد يصحّ منه الفعل والصّنع والوشي والتزيين ، والصّبغ والتحسين ، لكان ما هو مجاز الآن حقيقة ، ولعاد ما هو الآن متأوّل ، معدودا فيما هو حقّ محصّل ، وذلك محال . وإنما يتصوّر مثل هذا القول في الكلم المفردة ، نحو " اليد " للنعمة ، وذاك أنه يصحّ أن يقال : لو كان واضع اللغة وضع " اليد " أوّلا للنعمة ، ثم عدّاها إلى الجارحة ، لكان حقيقة فيما هو الآن مجاز ، ومجازا فيما هو حقيقة فلم يكن بواجب من حيث المعقول أن يكون لفظ " اليد " اسما للجارحة دون النعمة ، ولا في العقل أن شيئا بلفظ ، أن يكون دليلا عليه أولى منه بلفظ ، لا سيما في الأسماء الأول التي ليست بمشتقّة . وإنما وزان ذلك وزان أشكال الخطّ التي جعلت أمارات لأجراس الحروف المسموعة ، في أنه لا يتصوّر أن يكون العقل اقتضى اختصاص كل شكل منها بما اختصّ به ، دون أن يكون ذلك لاصطلاح وقع وتواضع اتّفق . ولو كان كذلك ، لم تختلف المواضعات في الألفاظ والخطوط ، ولكانت اللغات واحدة ، كما وجب في عقل كل عاقل يحصّل ما يقول ، أن لا يثبت الفعل على الحقيقة إلا للحيّ القادر . فإن قلت : فإن اللغة رسمت أن يكون " فعل " لإثبات الفعل للشيء كما زعمت ، ولكنّا إذا قلنا : " فعل الربيع الوشي " أو " وشّى الربيع " ، فإننا نريد بذلك معنى معقولا ، وهو أن الربيع سبب في كون الأنوار التي تشبه الوشي . . فقد نقلنا الفعل عن
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 287 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني