تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
ابنك زيدا " بمعنى سمّه زيدا ، ولا يقال : " ولد لفلان ابن فجعله زيدا " أي : سمّاه زيدا . وإنما يدخل الغلط في ذلك على من لا يحصّل هذا الشأن . فأما قوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[ الزخرف : 19 ] ، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها ، وذلك أنهم أثبتوا للملائكة صفة الإناث ، واعتقدوا وجودها فيهم . وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم - أعني إطلاق اسم البنات ، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ الإناث ، أو لفظ البنات ، اسما من غير اعتقاد معنى ، وإثبات صفة ، هذا محال لا يقوله عاقل - أو ما يسمعون قول اللّه عز وجل :
أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ
[ الزخرف : 19 ] ، فإن كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنى ، فأيّ معنى لأن يقال : " أشهدوا خلقهم " ؟ هذا ، ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة ، ولم يفعلوا أكثر من أن وضعوا اسما ، لما استحقّوا إلّا اليسير من الذّم ، ولما كان هذا القول كفرا منهم . والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى ولكن قد يكون للشيء المستحيل وجوه في الاستحالة فتذكر كلّها ، وإن كان في الواحد منها ما يزيل الشبهة ويتمّ الحجّة .

فصل في تقسيم المجاز إلى اللغوي والعقلي ، واللغوي إلى الاستعارة وغيرها

واعلم أن " المجاز " على ضربين : مجاز من طريق اللغة ، ومجاز من طريق المعنى والمعقول . فإذا وصفنا بالمجاز الكلمة المفردة كقولنا : " اليد مجاز في النعمة " و " الأسد مجاز في الإنسان وكلّ ما ليس بالسبع المعروف " ، كان حكما أجريناه على ما جرى عليه من طريق اللغة ، لأنا أردنا أنّ المتكلم قد جاز باللفظة أصلها الذي وقعت له ابتداء في اللغة ، وأوقعها على غير ذلك ، إمّا تشبيها ، وإمّا لصلة وملابسة بين ما نقلها إليه وما نقلها عنه . ومتى وصفنا بالمجاز الجملة من الكلام ، كان مجازا من طريق المعقول دون اللغة ، وذلك أن الأوصاف اللّاحقة للجمل من حيث هي جمل ، لا يصحّ ردّها إلى اللّغة ، ولا وجه لنسبتها إلى واضعها ، لأن التأليف هو إسناد فعل إلى اسم ، واسم إلى اسم ، وذلك شيء يحصل بقصد المتكلم ، فلا يصير " ضرب " خبرا عن " زيد " بواضع اللغة ، بل بمن قصد إثبات الضرب فعلا له ، وهكذا : " ليضرب زيد " ، لا يكون أمرا
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 286 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني