تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
إلى الأشعار التي أثنوا عليها من جهة الألفاظ ، ووصفوها بالسلامة ، ونسبوها إلى الدّماثة ، وقالوا : كأنّها الماء جريانا ، والهواء لطفا ، والرياض حسنا ، وكأنها النّسيم ، وكأنها الرّحيق مزاجها التّسنيم ، وكأنها الديباج الخسروانيّ في مرامي الأبصار ، ووشي اليمن منشورا على أذرع التّجار ، كقوله : [ من الطويل ]
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح وشدّت على دهم المهارى رحالنا * ولم ينظر الغادي الّذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطيّ الأباطح " 1 "
ثم راجع فكرتك ، واشحذ بصيرتك ، وأحسن التأمّل ، ودع عنك التجوّز في الرأي ، ثم انظر هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفا ، إلّا إلى استعارة وقعت موقعها ، وأصابت غرضها ، أو حسن ترتيب تكامل معه البيان حتى وصل المعنى إلى القلب مع وصول اللفظ إلى السمع ، واستقرّ في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن ، وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد ، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد ، وشيء داخل المعاني المقصودة مداخلة الطفيليّ الذي يستثقل مكانه ، والأجنبيّ الذي يكره حضوره ، وسلامته من التقصير الذي يفتقر معه السامع إلى تطلّب زيادة بقيت في نفس المتكلم ، فلم يدلّ عليها بلفظها الخاصّ بها ، واعتمد دليل حال غير مفصح ، أو نيابة مذكور ليس لتلك النّيابة بمستصلح . وذلك أن أوّل ما يتلقّاك من محاسن هذا الشعر أنه قال : ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة فعبّر عن قضاء المناسك بأجمعها والخروج من فروضها وسننها ، من طريق أمكنه أن يقصّر معه اللفظ ، وهو طريقة العموم ، ثم نبّه بقوله :
هامش
( 1 ) الأبيات في الإيضاح : 175 - 176 ، تحقيق د . عبد الحميد هنداوي . ودلائل الإعجاز : 74 ، 75 ، 295 . وهي تروى لكثير وليزيد بن الطثرية ولعقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى ، وانظر تخريجها في ديوان كثير ، وفي هامش المخطوطة في لسان العرب : كل مختار طرف والجمع أطراف ، قال ابن سيدة : عنى بأطراف الأحاديث مختاره ، وما يتعاطاه المحبون ، ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون ، من التعريض والتلويح والإيماء دون التصريح وذلك أحلى وأخف وأغزل وأنسب من أن يكون مشافهة وكشفا ومصارحة وجهرا . وطرائف الحديث : مختاره وهذا نص ما في لسان العرب ( طرف ) ، في شرح هذا البيت ، وكل ذلك اختطفه ابن سيدة من كلام ابن جني في الخصائص : 1 / 220 ، ثم انظر أيضا شرح الأبيات في الخصائص لابن جني : 1 / 217 ، 221 ، وهو فصل جيد جدا . [ محمود شاكر ] .