تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
تجاورها ، ولألاء اللآلئ تناظرها تزداد جمالا في العين ، ولطف موقع من حقيقة الزين . ثم هي إن حرمت صحبة تلك العقائل ، وفرّق الدهر الخئون بينها وبين هاتيك النفائس ، لم تعر من بهجتها الأصيلة ، ولم تذهب عنها فضيلة الذّهبية . كلّا ، ليس هذا بقياس الشعر الموصوف بحسن اللفظ ، وإن كان لا يبعد أن يتخيّله من لا ينعم النظر ، ولا يتمّ التدبّر ، بل حقّ هذا المثل أن يوضع في نصرة بعض المعاني " 1 " الحكمية والتشبيهية بعضا ، وازدياد الحسن منها بأن يجامع شكل منها شكلا ، وأن يصل الذّكر بين متدانيات في ولادة العقول إياها ، ومتجاورات في تنزيل الأفهام لها . واعلم أن هذه الفصول التي قدّمتها وإن كانت قضايا لا يكاد يخالف فيها من به طرق ، فإنه قد يذكر الأمر المتّفق عليه ، ليبنى عليه المختلف فيه . هذا وربّ وفاق من موافق قد بقيت عليه زيادات أغفل النظر فيها ، وضروب من التلخيص والتهذيب لم يبحث عن أوائلها وثوانيها ، وطريقة في العبارة عن المغزى في تلك الموافقة لم يمهّدها ، ودقيقة في الكشف عن الحجة على مخالف لو عرض من المتكلفين لم يجدها ، حتى تراه يطلق في عرض كلامه ما يبرز به وفاقا في معرض خلاف ، ويعطيك إنكارا وقد هم باعتراف ، وربّ صديق والاك قلبه ، وعاداك فعله ، فتركك مكدودا لا تشتفي من دائك بعلاج ، وتبقى منه في سوء مزاج .

المقصد

واعلم أن غرضي في هذا الكلام الذي ابتدأته ، والأساس الذي وضعته ، أن أتوصّل إلى بيان أمر المعاني كيف تختلف وتتفق ، ومن أين تجتمع وتفترق ، وأفصل أجناسها وأنواعها ، وأتتبّع خاصّها ومشاعها ، وأبين أحوالها في كرم منصبها من العقل ، وتمكّنها في نصابه ، وقرب رحمها منه ، أو بعدها حين تنسب عنه ، وكونها كالحليف الجاري مجرى النّسب ، أو الزّنيم الملصق بالقوم لا يقبلونه ، ولا يمتعضون له ولا يذبّون دونه . وإنّ من الكلام ما هو كما هو شريف في جوهره كالذهب الإبريز الذي تختلف
هامش
( 1 ) أي : فالحسن دائما راجع إلى المعاني اه . ( رشيد ) . قلت : ليس معنى ذلك انعدام المزية عن التحسين والتزيين بل عن اللفظ غير المطابق للمعنى فكأن التحسين اللفظي لما كان حسنه موقوفا على اتساقه مع المعنى ، كان المرجع في الحسن إلى المعاني ، ولكن دون انتقاص لحق اللفظ ومزيته فتأمل . ( عبد الحميد ) .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 28 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني