تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
وذلك أنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من " عواصم " والباء من " قواضب " ، أنها هي التي مضت ، وقد أرادت أن تجيئك ثانية ، وتعود إليك مؤكّدة ، حتى إذا تمكن في نفسك تمامها ، ووعى سمعك آخرها ، انصرفت عن ظنّك الأول ، وزلت عن الذي سبق من التخيّل ، وفي ذلك ما ذكرت لك من طلوع الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها ، وحصول الربح بعد أن تغالط فيه حتى ترى أنه رأس المال . فأما ما يقع التجانس فيه على العكس من هذا ، وذلك أن تختلف الكلمات من أوّلها كقول البحتري : [ من الخفيف ]
بسيوف إيماضها أوجال * للأعادي ووقعها آجال " 1 "
وكذا قول المتأخر : [ من الطويل ]
وكم سبقت منه إليّ عوارف * ثنائي من تلك العوارف وارف وكم غرر من برّه ولطائف * لشكري على تلك اللّطائف طائف
وذلك أنّ زيادة " عوارف " على " وارف " بحرف اختلاف من مبدأ الكلمة في الجملة ، فإنه لا يبعد كلّ البعد عن اعتراض طرف من هذا التخيّل فيه ، وإن كان لا يقوى تلك القوة ، كأنك ترى أن اللفظة أعيدت عليك مبدلا من بعض حروفها غيره أو محذوفا منها . ويبقى في تتبّع هذا الموضع كلام حقّه غير هذا الفصل وذلك حيث يوضع .

فصل في قسمة التجنيس وتنويعه

فالذي يجب عليه الاعتماد في هذا الفنّ ، أن التوهّم على ضربين : ضرب يستحكم حتى يبلغ أن يصير اعتقادا . وضرب لا يبلغ ذلك المبلغ ، ولكنه شيء يجري في الخاطر ، وأنت تعرف ذلك وتتصور وزنه إذا نظرت إلى الفرق بين الشيئين يشتبهان الشبه التامّ ؛ والشيئين يشبه أحدهما بالآخر على ضرب من التقريب ، فاعرفه . وأما " الحشو " فإنما كره وذمّ وأنكر وردّ ، لأنه خلا من الفائدة ، ولم يحل منه
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه .