تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
بعائدة ، ولو أفاد لم يكن حشوا ، ولم يدع لغوا . وقد تراه مع إطلاق هذا الاسم عليه واقعا من القبول أحسن موقع ، ومدركا من الرّضى أجزل حظّ ، وذاك لإفادته إيّاك ، على مجيئه مجيء ما لا يعوّل في الإفادة عليه ، ولا طائل للسامع لديه ، فيكون مثله مثل الحسنة تأتيك من حيث لم ترقبها ، والنافعة أتتك ولم تحتسبها ، وربّما رزق الطّفيليّ ظرفا يحظى به حتى يحلّ محلّ الأضياف الذين وقع الاحتشاد لهم ، والأحباب الذين وثق بالأنس منهم وبهم . وأما التطبيق والاستعارة وسائر أقسام البديع ، فلا شبهة أنّ الحسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلّا من جهة المعاني خاصّة ، من غير أن يكون للألفاظ في ذلك نصيب ، أو يكون لها في التحسين أو خلاف التحسين تصعيد وتصويب . أما " الاستعارة " ، فهي ضرب من التشبيه ، ونمط من التمثيل ، والتشبيه قياس ، والقياس يجري فيما تعيه القلوب ، وتدركه العقول ، وتستفتى فيه الأفهام والأذهان ، لا الأسماع والآذان . وأما " التطبيق " ، فأمره أبين ، وكونه معنويا أجلى وأظهر ، فهو مقابلة الشيء بضده ، والتضادّ بين الألفاظ المركّبة محال ، وليس لأحكام المقابلة ثمّ مجال . فخذ إليك الآن بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في تعسّف اللفظ : [ من الطويل ]
وما مثله في الناس إلا مملّكا * أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه " 1 "
فانظر أتتصوّر أن يكون ذلك للفظه من حيث إنّك أنكرت شيئا ، من حروفه ، أو صادفت وحشيّا غريبا ، أو سوقيّا ضعيفا ؟ أم ليس إلّا لأنه لم يرتّب الألفاظ في الذكر ، على موجب ترتيب المعاني في الفكر ، فكدّ وكدّر ، ومنع السامع أن يفهم الغرض إلّا بأن يقدّم ويؤخّر ، ثم أسرف في إبطال النّظام ، وإبعاد المرام ، وصار كمن رمى بأجزاء تتألّف منها صورة ، ولكن بعد أن يراجع فيها بابا من الهندسة ، لفرط ما عادى بين أشكالها ، وشدّة ما خالف بين أوضاعها . وإذا وجدت ذلك أمرا بيّنا لا يعارضك فيه شكّ ، ولا يملكك معه امتراء ، فانظر
هامش
( 1 ) البيت للفرزدق ، وموجود في الإشارات والتنبيهات : 11 ، الخصائص : 1 / 146 ، الإيضاح : 76 ، الكتاب لسيبويه : 1 / 32 ، والكامل للمبرد : 1 / 18 ، والموشح للمرزباني : 94 ، ومعاهد التنصيص للعباسي : 1 / 16 ، ونهاية الإيجاز : 279 .