تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
عليه الصور وتتعاقب عليه الصناعات ، وجلّ المعوّل في شرفه على ذاته ، وإن كان التصوير قد يزيد في قيمته ويرفع من قدره ، ومنه ما هو كالمصنوعات العجيبة من موادّ غير شريفة ، فلها ، ما دامت الصورة محفوظة عليها لم تنتقض ، وأثر الصنعة باقيّا معها لم يبطل قيمة تغلو ، ومنزلة تعلو ، وللرغبة إليها انصباب ، وللنفوس بها إعجاب ، حتى إذا خانت الأيام فيها أصحابها ، وضامت الحادثات أربابها ، وفجعتهم فيها بما يسلب حسنها المكتسب بالصّنعة ، وجمالها المستفاد من طريق العرض ، فلم يبق إلا المادّة العارية من التصوير ، والطّينة الخالية من التشكيل سقطت قيمتها ، وانحطت رتبتها ، وعادت الرّغبات التي كانت فيها زهدا ، وأوسعتها عيون كانت تطمح إليها إعراضا دونها ، وصدّا ، وصارت كمن أحظاه الجدّ " 1 " بغير فضل كان يرجع إليه في نفسه ، وقدّمه البخت من غير معنى يقضي بتقدّمه ، ثم أفاق فيه الدهر عن رقدته ، وتنبّه لغلطته ، فأعاده إلى دقّة أصله ، وقلّة فضله . وهذا غرض لا ينال على وجهه ، وطلبة لا تدرك كما ينبغي ، إلا بعد مقدّمات تقدّم ، وأصول تمهّد ، وأشياء هي كالأدوات فيه حقّها أن تجمع ، وضروب من القول هي كالمسافات دونه ، يجب أن يسار فيها بالفكر وتقطع . وأوّل ذلك وأولاه ، وأحقّه بأن يستوفيه النظر ويتقصّاه ، القول على " التشبيه " و " التمثيل " و " الاستعارة " ، فإن هذه أصول كبيرة ، كأنّ جلّ محاسن الكلام إن لم نقل : كلّها ، متفرّعة عنها ، وراجعة إليها ، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرّفاتها ، وأقطار تحيط بها من جهاتها ، ولا يقنع طالب التحقيق أن يقتصر فيها على أمثلة تذكر ، ونظائر تعدّ ، نحو أن يقال : " الاستعارة " مثل قولهم " الفكرة فخّ العمل " ، وقوله : [ من الطويل ] وعرّي أفراس الصّبا ورواحله " 2 " وقوله : " السفر ميزان القوم " ، وقول الأعرابي : " كانوا إذا اصطفّوا سفرت بينهم
هامش
( 1 ) في تاج العروس : أحظيت فلانا على فلان : فضلته عليه ( رشيد ) والجد : بالفتح - الحظ والبخت . ( 2 ) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ، وصدره : صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله والبيت في مفتاح العلوم : 486 ، تحقيق د . عبد الحميد هنداوي ، وأورده بدر الدين بن مالك في المصباح : 132 ، وعزاه إليه ، والقزويني في الإيضاح : 446 ، والطيبي في التبيان : 1 / 302 ، وشرحه على مشكاة المصابيح : 1 / 118 ، والعلوي في الطراز : 1 / 233 .