تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
نفسه ، ومزاحمتها القلب في رؤيته ، وغيرة القلب من العين سبب العقوبة هناك ، فأمّا هاهنا فالغيرة كائنة بين الحبيب وبين شخص آخر ، فاعرفه . ولا شبهة في قصور البيت الثاني عن الأول ، وأنّ للأوّل عليه فضلا كبيرا ، وذلك بأن جعل بعضه يغار من بعض ، وجعل الخصومة في الحبيب بين عينيه وقلبه ، وهو تمام الظّرف واللطف . فأمّا الغيرة في البيت الآخر ، فعلى ما يكون أبدا . هذا ، ولفظ " زنت " ، وإن كان ما يتلوها من أحكام الصنعة يحسّنها ، وورودها في الخبر " العين تزني " ، ويؤنس بها ، فليست تدع ما هو حكمها من إدخال نفرة على النفس . وإن أردت أن ترى هذا المعنى بهذه الصنعة في أعجب صورة وأظرفها ، فانظر إلى قول القائل " 1 " : [ من المتقارب ]
أتتني تؤنّبني بالبكا * فأهلا بها وبتأنيبها تقول ، في قولها حشمة : * أتبكي بعين تراني بها ؟ فقلت : إذا استحسنت غيركم * أمرت الدّموع بتأديبها
أعطاك بلفظة التأديب ، حسن أدب اللبيب ، في صيانة اللّفظ عما يحوج إلى الاعتذار ، ويؤدّي إلى النّفار ، إلا أن الأستاذية بعد ظاهرة في بيت ابن المعتز . وليس كل فضيلة تبدو مع البديهة ، بل بعقب النّظر والرويّة ، وبأن يفكّر في أول الحديث وآخره . وأنت تعلم أنه لا يكون أبلغ في الذي أراد من تعظيم شأن الذنب ، من ذكر الحدّ ، وأنّ ذلك لا يتمّ له إلّا بلفظة " زنت " ، ومن هذه الجهة يلحق الضّيم كثيرا من شأنه وطريقه طريق أبي تمام ، ولم يكن من المطبوعين . وموضع البسط في ذلك غير هذا ، فغرضي الآن أن أريك أنواعا من التخييل ، وأضع شبه القوانين ليستعان بها على ما يراد بعد من التفصيل والتبيين .
هامش
( 1 ) في البيت الثاني الواو ساقطة والصواب " تقول وفي " وذكر أبو فهر أن الأبيات في معاهد التنصيص : 376 ، ولبعضهم بلا نسبة . وفي رواية وقالت بدل تقول ، وفي رواية أخرى :أما تستحي يا قليل الوفاء * أتبكي بعين تراني بهاوتنسب الأبيات في " أزهار الرياض " لابن العربي ، ولكنها أقدم منه ، وذلك لأنها من شواهد عبد القاهر ، وأبي هلال ، وهما قبله ، وينسبها شارح شواهد الإيضاح لابن المعتز ، راجع نفح الطيب .