وأعاده في موضع آخر ، فزاد الدعوى قوّة ، ومرّ فيها مرور من يقول صدقا ويذكر حقّا " 1 " : [ من المنسرح ]
يا آل نوبخت لا عدمتكم * ولا تبدّلت بعدكم بدلا
إن صحّ علم النجوم ، كان لكم * حقّا ، إذا ما سواكم انتحلا
كم عالم فيكم وليس بأن * قاس ، ولكن بأن رقي فعلا
أعلاكم في السماء مجدكم * فلستم تجهلون ما جهلا
شافهتم البدر بالسّؤال عن ال * أمر إلى أن بلغتم زحلا
وهكذا الحكم إذا استعاروا اسم الشيء بعينه من نحو شمس أو بدر أو بحر أو أسد ، فإنهم يبلغون به هذا الحدّ ، ويصوغون الكلام صياغات تقضي بأن لا تشبيه هناك ولا استعارة ، مثاله قوله " 2 " : [ من الكامل ]
قامت تظلّلني من الشمس * نفس أعزّ عليّ من نفسي
قامت تظلّلني ومن عجب * شمس تظلّلني من الشّمس
فلو لا أنه أنسى نفسه أن هاهنا استعارة ومجازا من القول ، وعمل على دعوى شمس على الحقيقة ، لما كان لهذا التعجّب معنى ، فليس ببدع ولا منكر أن يظلّل إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهجا بشخصه .
وهكذا قول البحتري " 3 " : [ من الطويل ]
طلعت لهم وقت الشّروق فعاينوا * سنا الشّمس من أفق ووجهك من أفق
وما عاينوا شمسين قبلهما التقى * ضياؤهما وفقا ، من الغرب والشّرق
معلوم أن القصد أن يخرج السامعين إلى التعجّب لرؤية ما لم يروه قط ، ولم تجر العادة به . ولم يتمّ للتعجّب معناه الذي عناه ، ولا تظهر صورته على وصفها الخاصّ ، حتى يجترئ على الدّعوى جرأة من لا يتوقف ولا يخشى إنكار منكر ، ولا يحفل بتكذيب الظاهر له ، ويسوم النفس ، شاءت أم أبت ، تصوّر شمس ثانية طلعت من
هامش
( 1 ) أورده القزويني في الإيضاح ص 434 وعزاه لابن الرومي ، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات ، وراجع مفتاح العلوم بتحقيقنا ص 495 .
( 2 ) قال عنها أبو فهر : " هما لابن العميد في يتيمة الدهر 3 / 16 مع اختلاف في اللفظ ، وهي أربعة أبيات في معاهد التنصيص ص 231 " راجع الإشارات ص 210 ، ونهاية الإيجاز ص 252 ، والإيضاح للقزويني ص 415 ، والتبيان 1 / 298 بتحقيقنا .
( 3 ) راجع ديوان البحتري ، " ضياؤهما بالياء المثناة .