تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦

فصل في تخييل بغير تعليل

وهذا نوع آخر من التخييل ، وهو يرجع إلى ما مضى من تناسي التّشبيه وصرف النفس عن توهّمه ، إلا أنّ ما مضى معلّل ، وهذا غير معلّل . بيان ذلك أنهم يستعيرون الصّفة المحسوسة من صفات الأشخاص للأوصاف المعقولة ، ثم تراهم كأنهم قد وجدوا تلك الصفة بعينها ، وأدركوها بأعينهم على حقيقتها ، وكأنّ حديث الاستعارة والقياس لم يجر منهم على بال ، ولم يروه ولا طيف خيال . ومثاله استعارتهم " العلوّ " لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان ، ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علوا من طريق المكان . ألا ترى إلى قول أبي تمام " 1 " : [ من المتقارب ]
ويصعد حتّى يظنّ الجهول * بأنّ له حاجة في السماء
فلو لا قصده أن ينسي الشبيه ويرفعه بجهده ، ويصمّم على إنكاره وجحده ، فيجعله صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية ، لما كان لهذا الكلام وجه . ومن أبلغ ما يكون في هذا المعنى قول ابن الرومي " 2 " : [ من الخفيف ]
أعلم الناس بالنجوم بنو نو * بخت علما لم يأتهم بالحساب بل بأن شاهدوا السّماء سموّا * بترقّ في المكرمات الصّعاب مبلغ لم يكن ليبلغه الطا * لب إلّا بتلكم الأسباب
هامش
( 1 ) البيت لأبي تمام ، وفي الديوان رواية أخرى ص 335 :ويصعد حتى يظنّ الجهول * أن له منزلا في السماءوأورده بدر الدين بن مالك في المصباح ص 138 وعزاه لأبي تمام ، والرازي في نهاية الإيجاز ص 252 ، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص 225 ، والقزويني في الإيضاح ص 434 . وراجع مفتاح العلوم بتحقيقنا ص 494 . ( 2 ) في البيت الثاني خطأ " بل بأن شاهدوا السما سمرا " وصوابه " بل بأن شاهدوا السماء سموا " أورده بدر الدين بن مالك في المصباح ص 139 وعزاه لابن الرومي . وآل نوبخت أسرة اشتغلت بعلم الفلك والنجوم في العصر العباسي .