تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
فقلت : " هيئته في تلألؤه كهيئة الضاحك " ، ثم قلت : " من غير عجب " ، قلت قولا غير مقبول . واعلم أنك إن عددت قول بعض العرب : [ من الرجز ]
ونثرة تهزأ بالنّصال * كأنّها من خلع الهلال
الهلال الحيّة هاهنا ، واللام للجنس في هذا القبيل ، لم يكن لك ذلك .

فصل نوع آخر في التعليل

وهذا نوع آخر في التعليل وهو أن يكون للمعنى من المعاني والفعل من الأفعال علّة مشهورة من طريق العادات والطباع ، ثم يجيء الشاعر فيمنع أن تكون لتلك المعروفة ، ويضع له علّة أخرى . مثاله قول المتنبي : [ من الرمل ]
ما به قتل أعاديه ولكن * يتّقي إخلاف ما ترجو الذئاب
الذي يتعارفه الناس أن الرجل إذا قتل أعاديه فلإرادته هلاكهم ، وأن يدفع مضارّهم عن نفسه ، وليسلم ملكه ويصفو من منازعاتهم ، وقد ادّعى المتنبي كما ترى أن العلة في قتل هذا الممدوح لأعدائه غير ذلك . واعلم أن هذا لا يكون حتى يكون في استئناف هذه العلّة المدّعاة فائدة شريفة فيما يتصل بالممدوح ، أو يكون لها تأثير في الذمّ ، كقصد المتنبي هاهنا في أن يبالغ في وصفه بالسّخاء والجود ، وأنّ طبيعة الكرم قد غلبت عليه ، ومحبّته أن يصدّق رجاء الراجين ، وأن يجنّبهم الخيبة في آمالهم ، قد بلغت به هذا الحدّ . فلما علم أنه إذا غدا للحرب غدت الذئاب تتوقّع أن يتسع عليها الرزق ، ويخصب لها الوقت من قتلى عداه ، كره أن يخلفها ، وأن يخيّب رجاءها ولا يسعفها . وفيه نوع آخر من المدح ، وهو أنه يهزم العدى ويكسرهم كسرا لا يطمعون بعده في المعاودة ، فيستغني بذلك عن قتلهم وإراقة دمائهم ، وأنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق ، ولا يعفو إذا قدر ، وما يشبه هذه الأوصاف الحميدة ، فاعرفه . ومن الغريب في هذا الجنس على تعمّق فيه ، قول أبي طالب المأموني في قصيدة يمدح بها بعض الوزراء ببخارى : [ من الخفيف ]
مغرم بالثناء ، صبّ بكسب ال * مجد ، يهتزّ للسّماح ارتياحا
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 212 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني