تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
وذلك أنه علّل تصعّد الأنفاس من صدره بهذه العلة الغريبة ، وترك ما هو المعلوم المشهور من السبب والعلة فيه ، وهو التحسّر والتأسّف . والمعنى : رحل عنّي العزاء بارتحالي عنكم ، أي : عنده ومعه أو به وبسببه ، فكأنه لما كان محلّ الصبر الصّدر ، وكانت الأنفاس تتصعّد منه أيضا ، صار العزاء وتنفّس الصّعداء كأنهما نزيلان ورفيقان ، فلما رحل ذاك ، كان حقّ هذا أن يشيّعه قضاء لحق الصّحبة . ومما يلاحظ هذا النوع ، يجري في مسلكه وينتظم في سلكه ، قول ابن المعتز " 1 " : [ من المنسرح ]
عاقبت عيني بالدّمع والسّهر * إذ غار قلبي عليك من بصري واحتملت ذاك وهي رابحة * فيك ، وفازت بلذّة النّظر
وذاك أن العادة في دمع العين وسهرها أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب ، أو اعتراض الرقيب ، ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب . وقد ترك ذلك كله كما ترى ، وادّعى أن العلة ما ذكره من غيرة القلب منها على الحبيب وإيثاره أن يتفرّد برؤيته ، وأنه بطاعة القلب وامتثال رسمه ، رام للعين عقوبة ، فجعل ذاك أن أبكاها ، ومنعها النوم وحماها . وله أيضا في عقوبة العين بالدّمع والسهر ، من قصيدة أوّلها " 2 " : [ من الخفيف ]
قل لأحلى العباد شكلا وقدّا * أبجدّ ذا الهجر أم ليس جدّا ما بذا كانت المنى حدّثتني * لهف نفسي أراك قد خنت ودّا ما ترى في متيّم بك صبّ * خاضع لا يرى من الذلّ بدّا إن زنت عينه بغيرك فاضرب * ها بطول السهاد والدّمع حدّا
قد جعل البكاء والسهاد عقوبة على ذنب أثبته للعين ، كما فعل في البيت الأول ، إلا أنّ صورة الذنب هاهنا غير صورته هناك . فالذنب هاهنا نظرها إلى غير الحبيب ، واستجازتها من ذلك ما هو محرّم محظور والذنب هناك نظرها إلى الحبيب
هامش
( 1 ) البيت ليس في ديوان الشاعر . ( 2 ) الشّكل بالكسر : غنج المرأة وغزلها وحسن دلّها أي : تدللها على زوجها ، وذلك أن تريه جراءة عليه في تغنّج وتشكل كأنها تخالفه وليس بها خلاف ، وقال ابن الأثير : دلها حسن هيئتها وحديثها . وكل هذا يتحمله المعنى راجع لسان العرب 2 / 1413 ، 4 / 2312 . وقال أبو فهر : " هو في ديوانه " ولم أجده .