تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
لا يذوق الإغفاء إلّا رجاء * أن يرى طيف مستميح رواحا
وكأنه شرط الرّواح على معنى أن العفاة والرّاجين إنّما يحضرونه في صدر النهار على عادة السلاطين . فإذا كان الرواح ونحوه من الأوقات التي ليست من أوقات الإذن قلّوا ، فهو يشتاق إليهم فينام ليأنس برؤية طيفهم . والإفراط في التعمّق ربما أخلّ بالمعنى من حيث يراد تأكيده به ، ألا ترى أن هذا الكلام قد يوهم أنه يحتجّ له أنه ممن لا يرغب كل واحد في أخذ عطائه ، وأنه ليس في طبقة من قيل فيه : [ من الطويل ]
عطاؤك زين لامرئ إن أصبته * بخير ، وما كلّ العطاء يزين
وممّا يدفع عنه الاعتراض ويوجب قلّة الاحتفال به ، أن الشاعر يهمّه أبدا إثبات ممدوحه جوادا أو توّاقا إلى السّؤّال فرحا بهم ، وأن يبرّئه من عبوس البخيل وقطوب المتكلّف في البذل ، الذي يقاتل نفسه عن ماله حتى يقال : " جواد " ، ومن يهوى الثّناء والثّراء معا ، ولا يتمكّن في نفسه معنى قول أبي تمام : [ من الطويل ]
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد * ولا المجد في كفّ امرئ والدراهم
فهو يسرع إلى استماع المدائح ، ويبطئ عن صلة المادح . نعم ، فإذا سلّم للشاعر هذا الغرض ، لم يفكر في خطرات الظنون . وقد يجوز شيء من الوهم الذي ذكرته على قول المتنبي : [ من البسيط ]
يعطي المبشّر بالقصّاد قبلهم * كمن يبشّره بالماء عطشانا
وهذا شيء عرض ، ولاستقصائه موضع آخر ، إن وفّق اللّه . وأصل بيت " الطيف المستميح " ، من نحو قوله : [ من الطويل ]
وإنّي لأستغشي وما بي نعسة * لعل خيالا منك يلقى خياليا
وهذا الأصل غير بعيد أن يكون أيضا من باب ما استؤنف له علّة غير معروفة ، إلّا أنه لا يبلغ في القوة ذلك المبلغ في الغرابة والبعد من العادة ، وذلك أنه قد يتصوّر أن يريد المغرم المتيّم ، إذا بعد عهده بحبيبه ، أن يراه في المنام ، وإذا أراد ذلك جاز أن يريد النوم له خاصّة ، فاعرفه . ومما يلحق بهذا الفصل قوله " 1 " : [ من الكامل ]
رحل العزاء برحلتي فكأنني * أتبعته الأنفاس للتشييع
هامش
( 1 ) البيت للمتنبي في ديوانه ص 83 . وفي الإيضاح تحقيق د . عبد الحميد هنداوي ص 324 ، وفي التبيان 1 / 436 وفيه " كما لا ترجع إلى أنفاسي لا يرجع إلي صبري فمعناه ارتحل الصبر عني بارتحالكم " .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 213 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني